أميركا والحرب بالوكالة والتفاوض بالوكالة
من مفارقات الحرب الإيرانية أنها قلبت معادلة الحروب بالوكالة، إذ قامت الولايات المتحدة بدور الوكيل في هذه الحرب، كما قامت بالدور نفسه في المفاوضات وتوقيع اتفاق الإطار، استعدادًا لمفاوضات الستين يومًا المقبلة. وهذا الدور تؤديه الولايات المتحدة نيابة عن إسرائيل. وعند البحث في أسباب هذه الحرب وجذورها، لا نجد ما يبرر دخول الولايات المتحدة إليها مباشرة. فمن يريد الحرب هي إسرائيل. وكما يقول جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية، فإن إسرائيل هي التي تريد هذه الحرب ولا أحد غيرها يريدها. والسؤال هنا: لماذا؟ تتمثل أهداف إسرائيل من هذه الحرب، ومن كل حرب تخوضها، في تحقيق بقائها والحفاظ على أمنها، بل أبعد من ذلك، في تحقيق هدف إسرائيل الكبرى وتغيير خارطة الشرق الأوسط الجديدة، التي وصفها نتنياهو بأن إسرائيل ستكون في قلبها قوة وحيدة، في خارطة بلا فلسطين. ولتحقيق هذا الحلم، ليس من مصلحة إسرائيل بروز أي قوة في المنظومة العربية أو الشرق أوسطية، وليس من مصلحتها أيضًا ظهور أي دولة نووية في المنطقة. لذلك تعمل إسرائيل على تشكيل تحالف تقوده، يمتد من الهند واليونان وقبرص إلى دول أفريقية وآسيوية، كما تعمل على إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وتثبيت وجودها في القرن الأفريقي، من خلال إقامة علاقات دبلوماسية مع أرض الصومال، التي فتحت لها سفارة أخيرًا في القدس. هذه الأهداف تدرك إسرائيل أنها لا تستطيع تحقيقها منفردة. ومن هنا يأتي الدور الأميركي بديلًا عن إسرائيل في تحقيق أهدافها وحلمها بإسرائيل الكبرى. فكان الدور الأميركي مباشرًا في الحرب، وإن لعبت إسرائيل دورًا مساندًا، ولكن تحت المظلة الأميركية، باعتبار الولايات المتحدة القوة الأحادية في العالم، والمتحكمة في المنطقة، وبحكم ما لها من وجود عسكري، وبهدف تحويل الحرب إلى حرب كونية في تداعياتها وخياراتها. وهكذا كانت حرب الستين يومًا، التي كلفت أميركا أكثر من مئة مليار، وهزت صورتها كقوة أحادية في العالم، مع بروز الدورين الصيني والروسي. فقد ركزت أميركا في حربها على ضرب البنية التحتية لإيران، وضرب مواقعها النووية، وتقليص قدراتها العسكرية والصاروخية، وتدمير قدراتها المدنية. والهدف واضح: الحيلولة دون بروز إيران كقوة إقليمية مالكة للقوة النووية، وهذا أحد أهداف إسرائيل الرئيسة من هذه الحرب. أما الصورة الأخرى الأكثر مفارقة وغرابة في حروب المنطقة، فتتمثل في تركيز إسرائيل على جنوب لبنان، وضرب قوة حزب الله، وتفكيك الدولة اللبنانية، وتثبيت وجودها في سوريا، وتفكيكها إلى دويلات صغيرة. والأخطر من ذلك غلق ملف القضية الفلسطينية وملف الدولة الفلسطينية. فبالرغم من اتفاق غزة، ما زالت إسرائيل تمارس الحرب والعدوان على غزة، وتضم أكثر من نصف مساحتها، وتعطل عمل اللجنة الوطنية، ومن ناحية أخرى تسرّع عمليات الضم في الضفة الغربية والتهجير، إدراكًا منها أن الوجود السكاني الفلسطيني هو العقبة الكبرى أمام تحقيق سردية إسرائيل الكبرى. وتتم هذه السياسات أيضًا بضوء أخضر أميركي، مقابل عدم تعطيل إسرائيل لأي اتفاق مع إيران. وتدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أنه ليس من مصلحتهما التخلص من النظام الإيراني، فوجود إيران يشكل إحدى أهم المقاربات الإسرائيلية لدعم نفوذها ووجودها، وتشكيل تحالفات جديدة في المنطقة. ما يهم أميركا وإسرائيل هو إيران بلا قوة نووية، وبلا قدرات على التخصيب، وتقليص وجودها في المناطق المجاورة لإسرائيل، كما في لبنان وسوريا، ورفع يدها عن القضية الفلسطينية ودعم جماعات حماس والجهاد، وعدم معارضتها لعمليات السلام والتطبيع مع إسرائيل. لذلك يردد ترامب أن الغاية من هذا الاتفاق هي تحقيق السلام في الشرق الأوسط. وهذا أحد أهداف إسرائيل لتحقيق إسرائيل الكبرى. لقد أدركت إسرائيل أن إيران النووية، ووجودها في سوريا ولبنان وغزة، ووجود الشعب الفلسطيني نفسه، هي العوائق الكبرى أمام تحقيق نفوذها وحلمها من النيل إلى الفرات، وأمام تحولها إلى صاحبة الكلمة الأولى في المنطقة. وهذا هو أيضًا هدف الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، فإن الهدف من التفاوض مع إيران خلال الستين يومًا المقبلة هو منعها من امتلاك القوة النووية، وفتح أبواب السلام والتطبيع مع إسرائيل. ولعل هذا يفسر استجابة الولايات المتحدة للكثير من مطالب إيران في رفع الحصار، ورفع العقوبات عن الأرصدة المجمدة، والقبول بدور إيران في مضيق هرمز، والعمل على تشجيع القوى المعتدلة فيها. وهذا يعني التخلي عن هدف تغيير النظام الإيراني، وعن المواجهة مع إيران المتشددة والعقائدية التوجه. ولعل من مفارقات الدور الأميركي، كما سنرى في فترة التفاوض، السعي إلى تحقيق السلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل وبقية الدول العربية، وخصوصًا السعودية. وبذلك تكون إسرائيل قد حققت ثلاثة أهداف رئيسية لم تكن قادرة على تحقيقها حربًا وتفاوضًا بمفردها: الأول، إيران بلا قوة نووية؛ والثاني، غلق ملف القضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية؛ والثالث، اكتمال عملية السلام والتطبيع الكامل عربيًا. ويبقى أن إسرائيل ستخرج الرابح الأول من الدور الأميركي، وذلك على حساب الأمن والمصالح العربية التي ستتحول إلى أدوار تابعة. ويلخص الموقف من الحرب والتفاوض ما قاله ترامب: قلت لنتنياهو إن أكثر شيء كنت تريده حققته لك من هذا الاتفاق.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





