أمور معكوسة
الصحوة – مصعب الشكيلي
مذ حفظْنا العقل، وبلغْنا الحلُم، وأدركْنا الحلال والحرام، والصواب والخطأ على وجوهها، وجالسْنا مَن هم أسنّ منّا؛ تشكلتْ بوصلة الحياة في عقولنا، وبدأت أمور الحياة بكثرتها تختلط علينا.
كنا نسمع ممّن يكبرنا عن أشياءَ نرى اليوم عكسَها، أو نراها على خلاف ما يذكرونها لنا، وإن بدا ذلك التحول يسيرًا.
وإذا أشكلَ علينا أمرٌ، نظرنا إلى رأي الشرع فيه بسؤال مَن هم أعلم منّا، وقديمًا قالوا: أكبرُ منك بيوم أعلمُ منك بسَنة، وفوق ذلك، فإن المرجعية الدينية مركزية عندنا. وأذكر مرة أني صليت صلاة ثم رأيت قطرة دم على ثوبي فشككت في صحتها، فسألت ابن عمةٍ لي -وكان يومها يحضر دروسًا لأحد المشايخ- عن الصلاة فأجاب: أما إن غسلتَها بنفسك فقد بطلتْ صلاتُك؛ لملامستك الدم، وعليك إعادتها، وأما إن غسلها غيرك فصلاتك صحيحة ولا حاجة للإعادة. فرجوته رجاء الكسول المثقل عن الإعادة ليغسلها ففعل، ولم أنس صنيعه ذلك، فها أنا ذا أذكرها له وقد مضى على الحادثة أكثر من عشرين سنة.
لا نزال نكبر ونرى الأمور تتغير وتتبدل، فبعد أن كنا نسمع كيف كانت ونرى كيف أصبحت، صرنا نرى كيف كانت وكيف أصبحت، ولو رُمْتَ الحق فليس هذا بجديد ولا عجيب، فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا منه في علامات الساعة الصغرى فقال: “َأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ” وهذا أمر نراه اليوم.
والحق أني قدمت بهذه التقدمة يا أستاذي لأشكو أمرًا أضرَّ بالرجل، ويظهر في تحوله عن حاله التي يلزم أن يكون عليها، وبالفطرة التي فطره الله عليها، فنراهم يتشبهون بالنساء.
أما النساء فقد كنا نستنكر بشأنهن أمورًا نراها اليوم أهون عنها بالأمس. خروجهن متبرجات متزينات بأحسن الزينة، ومخالطتهن الرجال في العمل والشارع ومحلات القهوة، هذا نراه اليوم ونبطن إنكاره ونظهر إقراره مكرهين لأن هذه الحالة أصبحت شائعة منتشرة حتى تطبّع عليها الناس وألِفوها، حتى ارتاحت لها عقولهم، وتقبلتها قلوبهم، بل وأضحوا يختلقون لها المبررات، مدّعين بالقول إن الأحوال تبدلت، وإن هذا من متطلبات المدنية والحضارة، والدنيا أمان والقانون حاكم صارم فلا يجرؤ أحد على الخطأ، ثم انظر حولك أتحب أن يباشر ولادة زوجَتك طبيبٌ رجل؟ فإذا كان هذا الحال من الاختلاط عند الطبيب والطبيبة والممرض والممرضة، فما يمنع من القياس على ذلك في بقية أماكن العمل! فإن تحقق ذلك فما يمنع تحققه في بقية مجالات الحياة. ثم إن الدعوة إلى تمكين المرأة ومشاركتها للرجل قد نحا منحًى غير الذي يُراد، والمغريات لذلك كثيرة ومقصودة، ففُهِم منه أن تكون المرأة ذكرًا في جسد أنثى، تنازعه كل شيء حتى أسلوب حياته. ولذلك نرى اليوم النساء عاريات من الحياء يشاركن الرجال مجالس القهوة، ومغامرات السيارات، والخروج إلى الصحراء، وتدخين السجائر والشيشة، في ابتذال محزن ومقرف.
وليس أشد ضررًا، وأعظم مفسدة، وأطمّ بلاء وأعظم فتنة وأسوأ عاقبة من خروج النساء في وسائل التواصل الاجتماعي، الذي فُضِحت به أسرار العائلة، وكُشفَت من خلاله حجب العفاف، وفُسخ فيه الحياء، وأشياء أُخَرَ لا يتسع المجال لذكرها. فلا والله ما ألِفنا ذلك حتى اختلط علينا الأمر واشتبه علينا أكثره، نرى تصرفات رجال في أجساد نساء ناعمة لينة، ووجوه أنثوية جميلة باردة. وما أعلم هل الحياء خاضع لمعايير الحياة فيزيد وينقص وفقًا لطبيعة الحياة فنسمي هذا الحال حياءً، أم هو ثابت في كل زمان!؟. وأذكر فيما أذكر أني كتبت منذ زمن أن الحياء ومكارم الأخلاق معايير سماوية ثابتة ليست سائلة ولا مائعة توضع في الإناء الذي يحبه المرء، وتتشكل بحسب رغباته وأهوائه. وما أدري هل أُخضعت الذكورة في الرجال لمتطلبات المدنية، فلا يحرك غريزة الحيوان فيهم إلا كشف الشعور، وبروز الصدور، وتوصيف الأجساد، والخروج في ميوعة وتخلّع وغنج، على أنه فيما أعلم أن الإسلام قد أولى الستر رعاية عظمى، واعتنى به عناية حتى أنه نهى أمهات المؤمنين عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي فيه قلبه مرض، فمن يستأمن النساء اليوم من مرضى القلوب، أم كيف يعرفنه فيحتجبن عنه؟!!!
مالكم كيف تحكمون؟
ولأننا هجرنا القرآن، واستبعدنا قدوتنا وأسوتنا (ولكم في رسول الله أسوة حسنة)، وجعلنا من الغرب الأسوة في التحضر والمدنية، وطلب مساواة النساء بالرجال، فلا شك أن يكون مبلغنا من النزول في الحضيض هذا المبلغ، والقادم أسوأ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فبالله عليكم ألم يُبِح الغرب الاختلاط والتفسخ ومصاحبة النساء الرجال في غير زواج بدعوى التفريج عن الكبت الجنسي والتحرر والتحضر؟ فأين نحن من أعداد من يولدون لغير أب وأم؟ فهل أعطى هذا للمرأة حقوقها؟
فهل من مستمع ينصت، ومن عاقل يحكم فيعدل يا أولي الألباب!
أرجو ألا تذهب صرخاتي سدًى.


