... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
33936 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8094 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

أمن الطاقة الأردني: اختبار الدولة في زمن الحرب

العالم
مجلة المجلة
2026/03/27 - 11:36 504 مشاهدة
أمن الطاقة الأردني: اختبار الدولة في زمن الحرب layout Fri, 03/27/2026 - 11:36

لم تكشف الحرب على إيران ضعفا في منظومة الطاقة الأردنية بقدر ما كشفت حدود نموذج إدارة الطاقة نفسه، وهو نموذج ظل يعتمد على الاستيراد وعلى حلول سريعة وسهلة، بينما كانت التحذيرات تتكرر منذ سنوات بضرورة الاستثمار الجدي في بدائل محلية، خصوصا في الطاقة النظيفة، لكنها كانت تصطدم في كل مرة بجدار البيروقراطية وتردد القرار، واليوم، مع أول اختبار إقليمي حقيقي، ظهرت كلفة هذا التردد بوضوح، ليس في انقطاع الكهرباء، بل في ارتفاع الكلفة، وفي ضيق هامش المناورة، وفي إدراك متأخر أن أمن الطاقة لم يعد ملفا فنيا، بل ملف سيادة.

الأردن لم يواجه انقطاعا شاملا للكهرباء، وهذه حقيقة يجب قولها بوضوح، لكنه واجه ما هو أخطر على المدى المتوسط، وهو ذلك الاضطراب في سلاسل التزويد مع ارتفاع سريع في الكلفة التشغيلية بعد تعطل تدفق الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، مما دفع الحكومة الأردنية إلى تفعيل خطة الطوارئ والتحول إلى الوقود الثقيل والديزل والغاز المسال، وهي بدائل متاحة تقنيا لكنها مكلفة اقتصاديا، وحسب التقديرات الرسمية فإن هذا التحول رفع كلفة تشغيل منظومة الكهرباء بنحو 1.8 مليون دينار يوميا، وهو رقم لا يبدو كبيرا في يوم واحد، لكنه يتحول إلى عبء مالي ثقيل إذا استمر لأسابيع أو أشهر، خصوصا في اقتصاد محدود الموارد مثل الاقتصاد الأردني.

المشكلة أن منظومة الكهرباء الأردنية، رغم كل ما شهدته من تطوير خلال العقد الأخير، ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 58 في المئة من الكهرباء في الأردن تولدت من الغاز في عام 2024، مقابل 26.9 في المئة من مصادر الطاقة المتجددة، ونحو 15 في المئة من الصخر الزيتي، وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات فنية، بل تعكس حقيقة استراتيجية تقول إن أي اضطراب في الغاز يتحول مباشرة إلى ضغط على قلب النظام الكهربائي نفسه، وليس على هامشه، لأن الغاز في الحالة الأردنية ليس مصدرا إضافيا للطاقة، بل العمود الفقري لمنظومة التوليد.

بناء على كل ما سبق، فإنه لم يكن مفاجئا أن يتحول ميناء العقبة إلى نقطة الارتكاز الأساسية في إدارة الأزمة، فالأردن استثمر خلال السنوات الماضية في إنشاء وتوسيع الوحدة العائمة للغاز المسال لتكون خط الدفاع الأول في حال تعطل الإمدادات عبر الأنابيب، وهذه الخطوة أثبتت أهميتها فعلا لأنها سمحت باستمرار إنتاج الكهرباء دون انقطاع، لكنها في الوقت نفسه كشفت وجها آخر للأزمة، وهو أن الاعتماد على الغاز المسال يربط الأردن مباشرة بأسعار السوق العالمية، وبالتقلبات التي تفرضها الحرب نفسها.

فالحرب على إيران لم تضرب سوق النفط فقط، بل أصابت سوق الغاز بقوة أكبر في بعض الأحيان نتيجة تهديد الملاحة في مضيق هرمز وتعطل منشآت في الخليج، وهذا يعني أن الدول المستوردة للغاز، ومنها الأردن، دخلت فجأة في منافسة شرسة على الشحنات الفورية، وفي سوق لا تحكمه الحسابات الاقتصادية وحدها، بل توازنات الحرب واحتمالات التصعيد، ما يجعل إدارة قطاع الطاقة أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة، لا إلى تشغيل خدمة عامة.

إدراك متأخر أن الملف لم يعد ملفا فنيا بل ملف سيادة
27 مارس , 2026

ما كشفته الحرب على إيران ليس خللا في منظومة الطاقة الأردنية بقدر ما كشف حدود نموذج الاعتماد على الاستيراد في بيئة إقليمية غير مستقرة

لكن ما تكشفه هذه اللحظة لا يتعلق فقط بالأرقام المزلزلة ولا بمصادر الوقود، بل بثقافة إدارة قطاع الطاقة نفسها، لأن الحديث عن البدائل المحلية لم يبدأ اليوم، بل كان موضوعا دائما في نقاشات الخبراء والمتخصصين في الأردن منذ سنوات طويلة، خصوصا في مجالات الطاقة النظيفة والخضراء، حيث جرى التأكيد مرارا على أن الاستثمار في الشمس والرياح وتحسين كفاءة الطاقة ليس ترفا بيئيا، بل خيار استراتيجي لتقليل الاعتماد على الخارج، ولتعزيز الاستقلال الاقتصادي في بلد محدود الموارد، لكن هذه الرؤية كانت تتقدم ببطء شديد بسبب التعقيدات الإدارية وتداخل الصلاحيات وغياب القرار الحازم القادر على تحويل الخطط إلى مشاريع تنفيذية.

ومن المهم هنا أن تتم الإشارة بوضوح إلى مؤسسات خبرة وطنية لعبت دورا مهماً في بناء المعرفة وتقديم المقترحات العملية، وفي مقدمتها "جمعية إدامة"، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى مرجعية مهنية في ملفات الطاقة والمياه والبيئة، وقدمت دراسات وسياسات عملية حول تعزيز الاستقلال الطاقي، وطرحت منذ سنوات بدائل واقعية للطاقة المتجددة وكفاءة الاستخدام، في وقت كانت فيه هذه الأفكار تواجه تباطؤا إداريا أكثر مما تواجه اعتراضا فنيا، وهي مقترحات لم تكن تنظيرا أكاديميا بقدر ما كانت محاولة مبكرة لتقليل المخاطر التي ظهرت اليوم بوضوح مع اندلاع الحرب.

المفارقة أن كثيرا من هذه الأفكار كانت متاحة منذ سنوات، وكانت تحظى بدعم فني ومهني واضح، لكنها كانت تتقدم ببطء بسبب تردد إداري أو حسابات مالية قصيرة المدى، في وقت كانت فيه المنطقة تتجه تدريجيا نحو مزيد من عدم الاستقرار، واليوم، مع اندلاع الحرب على إيران، تبدو تلك التحذيرات، وبأثر رجعي، وكأنها قراءة استشرافية لما يحدث الآن، لأن الأزمة لم تثبت فقط أهمية تنويع مصادر الطاقة، بل أثبتت أيضا أن الوقت الذي يضيع في البيروقراطية يصبح كلفة مباشرة في زمن الحرب.

الخطر الأكبر في هذه المعادلة لم يكن اقتصاديا فقط، بل تجاوزه إلى المربع الأمني الحساس، لأن الحرب نقلت منشآت الطاقة من خانة المرافق الخدمية إلى خانة الأهداف المحتملة في أي مواجهة إقليمية واسعة، ومع تصاعد التهديدات الإيرانية باستهداف بنى الطاقة والمياه في المنطقة، دخلت محطات الكهرباء والموانئ وخطوط النقل في دائرة الحسابات الأمنية، حتى في الدول التي لا تشارك في الحرب بشكل مباشر.

الأردن هنا يقف في موقع حساس، لأنه يعتمد على عدد محدود نسبيا من محطات التوليد الكبرى، وعلى مرفق استراتيجي رئيس لاستقبال الغاز المسال في العقبة، ما يجعل أي تهديد لهذه المنشآت ذا تأثير مضاعف، ليس فقط على قطاع الطاقة، بل على الاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي، لأن الكهرباء في النهاية ليست خدمة تقنية، بل شرط أساسي لعمل الدولة نفسها.

لهذا السبب، فإن ما كشفته الحرب على إيران ليس خللا في منظومة الطاقة الأردنية بقدر ما كشف حدود نموذج الاعتماد على الاستيراد في بيئة إقليمية غير مستقرة، فالدولة تستطيع أن تدير الأزمة ليوم أو لأسبوع أو لشهر، لكنها لا تستطيع أن تبني استقرارا طويل الأمد على سوق طاقة عالمي متقلب، ولا على جغرافيا إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد، تصعيد لا تبدو له سقوف واضحة حتى الآن.

إن السؤال الحقيقي الذي يواجه الأردن اليوم ليس في كيفية توفير الكهرباء، فهذه مهمة نجح في تحقيقها حتى الآن، بل كيف يحول هذه اللحظة إلى نقطة تحول حقيقية في سياسات الطاقة، عبر تحرير مشاريع الطاقة المحلية من التعقيد الإداري، وتسريع الاستثمار في المصادر النظيفة، والاستماع بجدية إلى بيوت الخبرة الوطنية التي حذرت منذ سنوات من هذا السيناريو، لأن الدولة التي تتعلم من أزماتها قبل أن تتكرر، هي الدولة التي تستطيع أن تحافظ على استقرارها في عالم لم يعد مستقرا كما كان.

27 مارس , 2026
story cover
Off
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤