من هنا جاءت رواية "آخر الكلام"، لتكون مغامرة سردية خضتها بكل الإعجاب الذي أحمله لكاتب "ذاكرة غانياتي الحزينات". فقررت خوض تجربة التناص وتصحيح ما لم يعجبني في رواية ماركيز، وطرحت في تلك الرواية العديد من الأسئلة التي تتعلق بذات الراوي وعلاقته بالشخصيات، التي عادة ما تنسى عند انتهاء الرواية، ليترك السؤال عن مصير تلك الشخصيات التي سكنت الورق بعدما ازدحمت في مخيلة الكاتب، معلقا.

ما يربطني حقا بعالم أميركا اللاتينية ليس فقط كتابها العظماء وما أنجزوه في السرد بشكل عبقري، وإنما أيضا تلك الصداقات الجميلة مع كتابها ومبدعيها، والذين يتميزون بسمات تمنيت لو أجدها بشكل جدي عند المبدعين العرب، وهي جديتهم وأصالتهم في ما يتصل بعلاقتهم بجميع أشكال الإبداع.
المخيلة والحرية
بعض رواياتك تبدو تمارين أو مشاريع ذهنية ومعرفية طويلة تتطلب الكثير من الحفر في المعنى وفي الهندسة اللغوية كما في راويتك الأخيرة "هدية آدم"، ما الحد الفاصل بين ما هو متخيل وواقعي، وهل تمارسين الحياد عندما تشكلين الأبطال والحالات والأحداث؟
كل عمل سردي جاد يتطلب أولا القراءة الوظيفية المستمرة، وثانيا القدرة على تفعيل المخيلة للبحث وإيجاد الحبكة الصحيحة لبناء عالم روائي متين، وثالثا أن تطوع اللغة وتــخصصها، إن صح التعبير، لتكون مرآة لمخيلتك. كل ما نكتب عنه في الحقيقة هو واقع، أو بالأحرى مستمد من الواقع، لأن هذا الأخير هو وحده من يولد الفكرة الخام التي تتغير وتتلون بتجارب الكاتب ومعرفته. لكن الذي يميز هذا الكاتب عن غيره هو قدرته على تطويع الواقع وتحويله إلى ظرف مدهش يشد القارئ الى درجة تجعله يعتقد بأنه لا توجد حدود بين الواقع والخيال.

أما شخوص رواياتي، فأعتقد، وبعيدا من أي مبالغة، أنهم عزوتي وأصدقائي وعائلتي الحقيقيون. أعرفهم جيدا، وأتباهى بهم أمام وحدتي، وأشكلهم عبر الذاكرة والمعرفة وخبرة الحياة. إذ أمنح كل واحد منهم قدره، وقيمته، ودوره في النص، لأنني بكل بساطة أؤمن بأنهم أحياء يرزقون في مكان ما على الكرة الأرضية، وفقط لم تسنح لي الفرص لمقابلتهم في الواقع.
رواية "هدية آدم" هي الجزء المجنون فيّ، الجزء الذي يقفز بدون حدود ولا حجج ولا تبريرات للخيال. هي الرواية التي أطلقت فيها حرية مخيلتي لتذهب أينما تشاء، دون رقيب، لكن مع مراعاة معايير تقنيات السرد ومكونات النص الصحيحة. هي كتابة تجربة التجريب إلى أقصى حد.
أنت تتجولين عبر العالم وترينه من أفق آخر، أفق الكاتبة وعين الإنسانة، وقد أثمرت في واحدة من رحلاتك كتاب "طريق الهمالايا / خارج الأمكنة"، كيف تخوضين في متون هذه الرحلات وتمتزجين بها وبتفاصيلها، ماذا ترين فيها بالضبط؟
منذ طفولتي وأنا مفعمة بهاجس أن هناك أماكن رائعة على هذه الكرة لم أزرها، وأن هناك بشرا مدهشين لم ألتق بهم بعد. من هنا ولد نهمي للحياة وللسفر، لأكتشف ذلك الإنسان المختلف عني ثقافيا وتاريخيا وفهما، ولتلامس أقدامي تلك الأراضي المبهجة التي دائما ما تخبئ لي لحظات سعيدة وأصدقاء حقيقيين، باختلاف جنسهم، أعراقهم، ولغاتهم.









