التزكيات الانتخابية تكشف زيف النضال داخل حزب أخنوش “الصغير”
لم يحتج الأمر سوى إلى ساعات قليلة بعد تنصيب محمد شوكي على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، لتبدأ التنافرات والهجرة من حزب سوّقه البعض على أنه المخلص والمتمتع بالشرعية وصاحب العصا السحرية، ومع إطلاق مسلسل التزكيات الانتخابية حتى بدأت الأوراق تتساقط تباعاً، وتوالت الاستقالات والاعتزالات من الرباط إلى بركان، في مشهد سياسي لا يحتاج إلى كثير من الشرح لفهم رسائله العميقة.
لسنوات طويلة، قُدمت أسماء عديدة داخل الحزب على أنها نماذج للنضال الحزبي والالتزام السياسي والتشبث بالمشروع التنظيمي، لكن ما إن اقتربت لحظة توزيع التزكيات وترتيب المواقع الانتخابية حتى بدأ البعض يغادر السفينة بهدوء، وكأن سنوات “النضال” كلها كانت مرتبطة بمقعد أو منصب أو تزكية انتخابية أكثر من ارتباطها بقناعة سياسية أو مشروع حزبي.
عمدة العاصمة فتيحة المودني وعدد من أبرز المنتخبين والمسؤولين المحليين أعلنوا اعتزالهم العمل السياسي من داخل الحزب في توقيت بالغ الدلالة، وبعدها بساعات فقط، جاءت استقالة المنسق الإقليمي للحزب ببركان محمد قنطاري لتؤكد أن ما يجري ليس مجرد حالات فردية معزولة، بل تعبير عن حالة احتقان داخلية بدأت تطفو على السطح مع اقتراب موعد الحسم في الأسماء والمرشحين.
الحقيقة التي تكشفها هذه التطورات هي أن كثيراً من الخطابات التي أُغرقت بها الساحة السياسية حول التضحية والنضال والالتزام الحزبي تتهاوى عند أول امتحان حقيقي للمصالح الشخصية، فحين تكون المواقع مضمونة يكون الجميع مناضلاً، وحين تصبح التزكيات في يد قيادة جديدة تبدأ لغة البيانات الرمادية والانسحابات الهادئة والاستقالات “الشخصية” و”العائلية”.
السياسة في جوهرها ليست سباقاً نحو الامتيازات، وليست وسيلة للبحث عن موقع انتخابي أو كرسي تدبيري، لكن ما يجري داخل حزب الأغلبية يكشف مرة أخرى أن جزءاً مهماً من الممارسة الحزبية في المغرب ما زال رهيناً بمنطق المصالح والمواقع أكثر من ارتباطه بالأفكار والمبادئ والقناعات.
والأكثر دلالة أن هذه الاستقالات جاءت مباشرة بعد الإعلان عن التزكيات، لا بعد خلافات فكرية أو مراجعات سياسية أو مواقف مبدئية. وهو ما يمنح الرأي العام حق التساؤل حول طبيعة العلاقة التي كانت تربط بعض هؤلاء بالحزب علاقة مصلحة انتخابية، لاغير.
المشهد الحالي داخل التجمع الوطني للأحرار لا يحرج الحزب وحده، بل يفضح أزمة أعمق تعيشها الحياة السياسية المغربية، حيث تتحول الأحزاب في كثير من الأحيان إلى فضاءات لتدبير الطموحات الشخصية أكثر من كونها مؤسسات لإنتاج الأفكار والدفاع عن البرامج وخدمة المواطنين.
لقد كشفت التزكيات ما حاولت الشعارات إخفاءه لسنوات، وكشفت أن بعض من كانوا يقدمون أنفسهم كجنود أوفياء للمشروع الحزبي لم ينتظروا طويلاً لمغادرته عندما تغيرت موازين المصالح، أما الحديث عن النضال والوفاء والانتماء، فقد بدا فجأة أقل بريقاً أمام إغراء المواقع الانتخابية والحسابات الشخصية.
مصادر متطابقة لجريدة “عبّر.كوم”، أكدت أن مسلسل الاستقالات سيستمر خلال الأيام القادمة وقبل انتخابات البرلمان، وما تأخر الحزب في اعلانه عن التزكيات بعدد الدوائر الانتخابية ليس سوى فرملة لاستقالات برلمانيين باسم “الحمامة”، كون غالبية المقصيينسيتجهون للبحث عن بدائل، أما الانتماء والنضال فقد تركوه لأخنوش الصغير “محمد شوكي”، الذي كان يمني النفس في يوم من الأيام أن يصبح قائدا لشبيبة الأصالة والمعاصرة، ليجد نفسه قائدا لحزب الحمامة بمباركة وفرض من قبل كبيره الذي علّمه “التافراقشيت”.
وإذا كانت قيادة الحزب “ان كانت فيهم قيادة اصلا”، تراهن على تقديم صورة متماسكة قبيل انتخابات 2026، فإن أول ما يجب عليها مواجهته ليس المعارضة خارج الحزب، بل هذا الشرخ الداخلي الذي كشفته التزكيات، وأسقط معه الكثير من الأقنعة التي ظلت تختبئ لسنوات خلف شعارات النضال والانتماء.



