إريتريا: موقف واضح دون إعلان
في المقابل، تسير إريتريا في الاتجاه المعاكس داعمةً الجيش السوداني، لكن الحقيقة أعمق من الخطاب الرسمي الذي يُقدّم هذا الدعم باعتباره "وقوفاً مع الشعب السوداني". الأرقام والمواقع وحدها تكشف حجم الانخراط: فهناك ستة معسكرات تدريب موزّعة في إقليم القاش بركة، ثلاثة منها في منطقة مهيب، وأخرى في محيط قرية تمرات الحدودية المقابلة لولاية كسلا، وواحد في منطقة قرمايكا على الشريط الحدودي مع السودان. تضم هذه المعسكرات خمس مجموعات مسلحة من شرق السودان وسادسة من دارفور، وتشمل مجموعات البجا و"حركة تحرير السودان" بقيادة حاكم دارفور مني أركو ميناوي، فضلاً عن "حركة تحرير شرق السودان" التي عقدت أول مؤتمراتها في مايو/أيار 2024 برعاية إريترية كاملة على أراضي تمرات، ويُقدَّر عدد مقاتليها اليوم بنحو ألفَي مقاتل من قبيلتَي البني عامر والحباب. وقد حظي هذا الدعم بغطاء سياسي رسمي حين زار رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان أسمرا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لإبرام اتفاقات أمنية وعسكرية.
في مارس 2026، دخلت هذه المنظومة مرحلة أكثر خطورة: مرحلة الانتشار الفعلي. كشفت مصادر عن تفاهمات تقضي بعودة هذه القوات إلى الداخل السوداني عقب عيد الفطر، بعد أن أكمل بعضها تدريب ثلاث دفعات على الأراضي الإريترية. وقد عادت قوات الأورطة الشرقية بالفعل وانخرطت في عمليات كردفان، فيما أعلنت خمس حركات تشكيل "التحالف الفيدرالي لقوى شرق السودان" في نهاية فبراير/شباط.

ولفهم جذور هذا الموقف، لا بد من استحضار اللحظة التي أدركت فيها إريتريا أن "قوات الدعم السريع" تسعى إلى تأسيس قاعدتين عسكريتين في شرق السودان، مع توظيف أبناء قبيلتَي البني عامر والبجة وقوداً بشرياً لهذا المشروع. عندئذٍ لم تعد القضية في نظر أسمرا مجرد دعمٍ لطرفٍ في حرب الجوار، بل باتت تهديداً وجودياً مباشراً: فشرق السودان تحت سيطرة "الدعم السريع" يعني حدوداً مفتوحة على قوة مسلحة تربطها علاقات وثيقة بإثيوبيا من جهة، وتمتد بذراع عسكرية نحو البحر الأحمر من جهة أخرى. في هذه المعادلة، تحوّلت الحرب السودانية من أزمة إقليمية إلى مسألة سيادة قومية إريترية بامتياز.
لا يقتصر القلق من الدور الإريتري على طبيعة الدعم نفسه، بل يمتد إلى منطلقاته وحساباته الاستراتيجية. فإريتريا تعتمد بدرجة ملحوظة على المنتجات الزراعية القادمة من شرق السودان، ولا سيما من منطقة القضارف والمناطق الحدودية المتاخمة لها. وأي اضطراب أمني أو تراجع في الإنتاج الزراعي في هذه المناطق سينعكس مباشرة على الأمن الغذائي داخل إريتريا، التي تفتقر إلى قاعدة زراعية كافية لتلبية احتياجاتها.
إلى جانب هذا البعد الاقتصادي، ثمة دافع سياسي وأمني أكثر وضوحاً يفسّر موقف أسمرة، يتمثل في سعي الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى منع تشكّل بيئة فوضوية على حدوده يمكن أن تتحول إلى ملاذ للخصوم أو الحركات المعارضة. فوجود جيش سوداني متماسك يضمن ,من وجهة نظره بقاء الدولة السودانية ككيان مركزي قادر على ضبط الحدود، ويحول دون انتقال عدوى الانهيار إلى الداخل الإريتري.











