من جانب آخر فإن سياسة ترمب ضد الانفتاح، وضد مسارات العولمة، ومع إقامة جدران على الحدود، وتغذية نزعة فك الارتباط والانعزال (أميركا أولا)، وإعلاء شأن العسكرة والغطرسة واستخدام القوة في العلاقات الدولية، تتناسب مع سياسات إسرائيل، في ظل نتنياهو وحكومته، بعدم المبالاة بالانفتاح على العالم العربي، أو بالتطبيع، مع انتهاج سياسة تقوم على "فرض السلام بالقوة"، وأن "أمن إسرائيل أهم من السلام"، وأن أي حل يجب أن يتأسس على المصالح أو ما يسمى "السلام الاقتصادي"، مع تعميق وضعية إسرائيل كدولة عنصرية إزاء الفلسطينيين، في سياساتها العملية، وفي قوانينها، كما حصل مؤخرا في تشريع القانون المتعلق بأراضي الضفة، والقانون المتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين. والمعنى أن الاثنين، نتنياهو وترمب، يستمدان سياستيهما الخارجية من منطلقات أيديولوجية متشابهة.
على الرغم من ذلك، ومثلما أنه يفترض التمييز بين "عملية الطوفان"، وحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، كسياسة نابعة من قلب العقيدة الصهيونية، والحرب الأوسع في المنطقة، فإنه يفترض التمييز، أيضا، بين الشراكة الأميركية-الإسرائيلية، وبين الأسباب الخاصة للحرب الأميركية ضد إيران، من دون إغفال مسؤولية النظام الإيراني، عن الاستدراج لتلك الحرب، وتوفير "الفرصة السانحة" للولايات المتحدة لشن حرب هوجاء عليها.
وفي الواقع فإن أميركا الترمبية استطاعت من خلال تلك الحرب أن تفرض ذاتها بوصفها اللاعب والقطب، الأقوى، بل والمقرر، في العالم، على كافة الأقطاب والأطراف الدوليين والإقليميين، وأنها صاحب قرار الحرب والسلام في هذا الزمان، في كل مكان، وأنها صاحب القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية في العالم، مع ملاحظة أن الولايات المتحدة البعيدة، لا تطالها الحرب، وأنها باتت مصدّرا قويا للنفط والغاز، وأنها الأقل تأثرا بتداعيات تلك الحرب، وضمنها إغلاق مضيق هرمز، إن لم تكن المستفيدة الأكبر من ذلك، بملاحظة صعود الدولار.
الآن ثمة عدة خيارات للإدارة الأميركية، في الحرب ضد إيران، بمعزل عن إسرائيل، يتمثل أولها، بالاستمرار في تلك الحرب لحد إسقاط النظام أو رضوخه للشروط الأميركية. والثاني، تراجع وتيرة الحرب، أو حتى وقفها، مع فرض الحصار على إيران، لعزلها واستنزافها وإضعافها، وهذا ما حصل مع العراق (1991) الذي أفضى إلى إنهاكه وإسقاطه لاحقا (2003). والثالث، دخول عسكري بري محدود يتركز في السيطرة على الجزر الاستراتيجية في الخليج العربي.
إذن نحن إزاء حرب إسرائيلية، لكنها أيضا أميركية وربما بقدر أكبر، فهي حرب تتوخى ترسيخ مكانة الولايات المتحدة مجددا، بوصفها القطب الأقوى والمقرر في العالم، بعد جدل طويل عن قرب انتهاء القرن الأميركي.