التخبط التشريعي في نظام الموارد البشرية: لماذا يدفع المواطن ثمن القرارات المتسرعة؟
•محمد أبوغزله / خبير تربوي كشفت قصة نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، وخاصة ما يتعلق بأحكام الإجازة بدون راتب، عن حالة من التخبط التشريعي المتكرر خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات...
•ففي شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2023، أقر مجلس الوزراء في عهد حكومة الدكتور بشر الخصاونة نظام هيئة الخدمة والإدارة العامة لسنة 2023، لتكون الهيئة البديل المؤسسي عن ديوان الخدمة المدنية ضمن برنامج تحديث...
•وفي شهر أيار/مايو عام 2024، أقر مجلس الوزراء نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (33) لسنة 2024، والذي قوبل بانتقادات واسعة على مستوى الوطن، خاصة أنه حل محل نظام الخدمة المدنية الذي كان، عل...
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب د. محمد أبوغزله / خبير تربوي
كشفت قصة نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، وخاصة ما يتعلق بأحكام الإجازة بدون راتب، عن حالة من التخبط التشريعي المتكرر خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية وعلمية الدراسات التي سبقت إصدار هذه الأنظمة، ومدى قدرة الجهات المعنية على تقدير آثارها الاجتماعية والاقتصادية قبل تطبيقها.
ففي شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2023، أقر مجلس الوزراء في عهد حكومة الدكتور بشر الخصاونة نظام هيئة الخدمة والإدارة العامة لسنة 2023، لتكون الهيئة البديل المؤسسي عن ديوان الخدمة المدنية ضمن برنامج تحديث القطاع العام. وفي شهر أيار/مايو عام 2024، أقر مجلس الوزراء نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (33) لسنة 2024، والذي قوبل بانتقادات واسعة على مستوى الوطن، خاصة أنه حل محل نظام الخدمة المدنية الذي كان، على الأقل، يحافظ على العديد من حقوق المواطنيين والموظفين، في حين أسهم النظام الجديد في تفويض صلاحيات واسعة للرؤساء المباشرين، وفي إجراءات التعيين التي أثارت مخاوف حول حقوق المواطنين في التعيين والترقية والإجازة والعمل في الداخل والخارج، وإنهاء عقود الموظفين، وفتح باب شراء الخدمات والتعاقد غير المحدود مع المستشارين والخبراء بمبالغ طائلة على حساب الموظفين، وهو الملف الذي قدم بشأنه سؤال نيابي في مجلس النواب، وغيرها من الملاحظات، خاصة خلال فترة تولي الوزيرة الحالية بدرية البلبيسي مسؤولية الملف، على الرغم من مهنيتها العالية، إلا أن السياق العام للنظام وإجراءاته أدى إلى ذلك.
لقد تناولت هذا الموضوع ضمن مقالة نشرت في موقع "جو24" بعنوان: "نظام الموارد البشرية الجديد.. سياسات عقابية وتطفيش للموظفين" بتاريخ 4 تموز/يوليو 2024، كما أن العديد من الكتاب والمهتمين تناولوا هذا النظام بالتحليل والنقد، وحذروا من آثاره السلبية المستقبلية،وكان ملف تطوير القطاع العام آنذاك من مسؤولية وزير دولة لتطوير القطاع العام ناصر الدين شريدة في حكومة الدكتور بشر الخصاونة،لكن، ولأن القرارات لم تبن دائما على دراسات علمية وسياسات واضحة واحتياجات حقيقية للمواطنين، وإنما غلب عليها الإصرار على القرار وعدم الاستماع للملاحظات و لم يؤخذ بما طرح من تحليلات وآراء، ولم تتم مراجعة النظام بالشكل الذي يحقق مصلحة المواطنين استمرت المطالبات بالتعديل في ضوء الآثار التي خلفها النظام، وبعد تشكيل حكومة جعفر حسان في 18 أيلول/سبتمبر 2024، وكلف بها الملف الدكتور خير أبو صعيليك حقيبة وزير دولة لتطوير القطاع العام وقد استجابت الحكومة للنظر في دراسة النظام، والتركيز على تعديل أحكام الإجازة بدون راتب بهدف جعلها أكثر مرونة، لما لها من آثار اجتماعية واقتصادية على المجتمع والدولة، وقبل صدور التعديل الجديد أتيحت لي فرصة مناقشة نظام إدارة الموارد البشرية مع وزير الدولة لتطوير القطاع العام آنذاك، الدكتور خير أبو صعيليك، خلال لقاء عقد بدعوة كريمة من السيد عاصم عبابنة، وبحضور نخبة من الخبرات الأردنية العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة على هامش القمة العالمية للحكومات التي حضرها الوزير وبعد أن استعرض رؤيته لتطوير القطاع العام وافرط في الاسهاب في طرح الرؤى والاحلام فقد أكدت في مداخلتي بعد شكره وضرورة الانتباة للتحديات والمشكلات التي تعيق الاحلام التي سردها وطلب منه ضرورة إعادة النظر في أحكام الإجازة بدون راتب، والكف عن قطع أرزاق الناس وحرمان الاقتصاد الأردني من العوائد التي يرفد بها العاملون في الخارج، كما طالبت بإجراء تعديلات جوهرية على عدد من مواد النظام، بما يحقق التوازن بين مصلحة الدولة وحقوق الموظفين كما شارك عدد من الزملاء الحضور في التأكيد على أهمية مراجعة النظام بصورة شمولية، والاستفادة من تجارب الدول في تنمية مواردها البشرية واستثمارها، وفتح المجال أمام توفير فرص العمل للأردنيين في الخارج إلا أن الوزير دافع آنذاك عن مبررات تعديل النظام قبل أن يصدر وما أن صدر نظام معدل لنظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (15) لسنة 2025، وكانت التعديلات محدودة ولم تعالج الإشكالات الجوهرية التي أُثيرت خلال ذلك اللقاء ولا التي طرحت من كل المعنيين والمتخصصين في الادارة العامة وفيرها في الاردن .
وبعد خروج الدكتور خير أبو صعيليك المتحمس من الحكومة ضمن تعديل وزاري على حكومة الدكتور جعفر حسان في 6 آب/أغسطس 2025، تسلمت المهندسة بدرية البلبيسي مسؤولية حقيبة تطوير القطاع العام. ونظرا لاستمرار المطالبات بضرورة تعديل النظام نتيجة ما خلف من اثار اقتصادية واجتماعية على الموظفين الذين يعملون داخل الاردن وخارجها وعلى الاقتصاد الاردني وانخفاض ايرادت المغتربين تم اعادة دراسة النظام وتم بعدها إقرار مشروع نظام معدل لنظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام لسنة 2026، والمتعلق بشكل خاص بتنظيم أحكام الإجازة بدون راتب، حيث وافق مجلس الوزراء على أسبابه الموجبة بتاريخ 27 تموز/يوليو 2026، وأحيل إلى ديوان التشريع والرأي لاستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة.
وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، والتي تستحق الإشادة باعتبارها استجابة لمطالبات عديدة بإعادة النظر في أحكام الإجازة بدون راتب، فإنها تأتي لمعالجة بعض الآثار السلبية الكبيرة التي ترتبت جراء العمل بالنظام السابق.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحا: لماذا لم تتم دراسة هذه الآثار قبل إصدار النظام الأول؟ ولماذا احتاج الأمر إلى ثلاث سنوات من المعاناة وتحمل الموظفين وأسرهم تبعات قرارات تشريعية حتى الوصول إلى هذا التعديل؟ ولماذا تكبد الاقتصاد الأردني خسارة التحويلات المالية التي كان يرسلها المغتربون؟
كما يبرز تساؤل آخر حول أسباب تعديل النظام مرتين خلال فترة حكومة الدكتور جعفر حسان، ومن قبل وزيرين مختلفين، وتقديم مبررات مختلفة لكل تعديل، رغم أن الفريق الذي قدم مبررات تعديل النظام الاول والتعديل الثالثني والثالث هو ذاته الفريق الذي قدم سابقً مبررات إصدار النظام بنسخته الأولى.
فهل استند تطوير النظام إلى دراسات مسبقة وقياس حقيقي لآثاره الاجتماعية والاقتصادية؟ لا سيما أن معالجة الخطأ بعد وقوع الضرر لا تعوض دائما من تحملوا كلفته، والمواطنين هم من تحملوا الكلفة وليس أصحاب المعالي والفريق الذي قدم المبررات في جميع التعديلات الثلاثة.
إن هذا التسلسل الزمني يوضح أن موضوعا تشريعيا يمس شريحة واسعة من موظفي القطاع العام خضع لثلاثة تعديلات خلال أقل من ثلاث سنوات، وفي ظل حكومتين وثلاثة وزراء مسؤولين عن ملف تطوير القطاع العام، الأمر الذي يؤكد غياب الرؤية الحكومية الواضحة، رغم أن رؤية التحديث يجب أن تكون المظلة التي تستند إليها هذه التشريعات.
نعم لقد تسببت القيود التي فرضتها أحكام نظام الإجازة بدون راتب عند إقراره الأول بآثار مباشرة على عدد كبير من الموظفين الذين كانوا يعملون خارج الأردن، إذ وجد بعضهم أنفسهم أمام خيارات صعبة اضطروا معها إلى ترك أعمالهم والعودة إلى الأردن في ظروف معيشية ومالية معقدة، وترتبت عليها التزامات مالية وأسرية كبيرة. كما أن بعض الموظفين خسروا فرصا مهنية داخل الأردن وخارجه أو اضطروا إلى الاستقالة من وظائفهم الحكومية او في القطاع الخاص وعادوا إلى الخدمة العامة وحرموا من فرص زيادة دخلهم وتحسين أوضاعهم المعيشية بسبب القيود التي فرضتها أنظمة الإجازات ، بينما ضحى اخرون وبقوا ن خارج الأردن بعد انتهاء علاقتهم الوظيفية ليتحملوا كلفة قرارات تشريعية لم تكن آثارها محسوبة بالشكل الكافي.
ولم تقتصر الآثار على العاملين في الداخل والخارج بل خسر الاقتصاد الأردني جزءا من التحويلات المالية التي كان يمكن أن يرفد بها العاملون في الخارج الاقتصاد الوطني، كما خسر فرصة الاستفادة من خبرات وكفاءات أردنية كانت تعمل في أسواق خارجية، وهنا يبرز السؤال الأساسي: ما هي الدراسات والسياسات التي استندت إليها الحكومة عند وضع شروط الإجازة بدون راتب في النظام الأول؟ وما هي المبررات التي قدمتها للدفاع عن تلك القيود، في الوقت الذي تحمل فيه العديد من الموظفين وأسرهم آثارً اجتماعية واقتصادية صعبة؟
والسؤال ذاته يطرح حول التعديل الثالث الذي صدر الأمر الذي يثير تساؤلات حول ثبات الرؤية التشريعية واستدامة السياسات الحكومية .نعم، نشيد بمراجعة الحكومة للنظام وتعديله، لكن من المهم أن تعالج أيضا أوضاع مئات الموظفين الذين تضرروا وعانوا خلال السنوات السابقة، ودفعوا ثمن هذه السياسة قبل أن تصل الحكومة إلى قناعة التعديل.
وكما أشرنا سابقا، فإن موضوع الإجازة بدون راتب لم يدرس منذ البداية بالعمق الكافي، ولم تدرك أبعاد هذا الملف الإنسانية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، وحجم الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الحكومية التي فقدت فرص اكتساب الخبرات من الخارج، أو خسرت خبراتها وكفاءاتها في الداخل بسبب الاستقالات، كما حرم الاقتصاد الأردني من عوائد المغتربين لذا فإن تطوير التشريعات لا يعني تعديلها بعد ظهور آثارها السلبية فقط، بل يعني أن تكون القرارات مبنية مسبقا على دراسات اقتصادية واجتماعية دقيقة، وعلى تقييم حقيقي لاحتياجات الموظفين والمؤسسات والاقتصاد الوطني فما حدث في ملف الإجازة بدون راتب لا يمكن اعتباره مجرد "تطوير بعد التجربة"، لأن التجربة هنا كانت على حساب موظفين وأسرهم ومستقبلهم الوظيفي والمالي، وعلى حساب الاقتصاد الوطني.
ويبقى السؤال الأهم للحكومة: من يدفع ثمن هذه السياسات المتغيرة؟ وهل من العدالة أن يتحمل المواطن وحده كلفة التخبط التشريعي وتغير التوجهات الحكومية المتكرر؟ أم أن المطلوب هو مراجعة منهجية لصناعة القرار التشريعي، بحيث لا تصبح حياة الموظفين واستقرارهم الاجتماعي والاقتصادي مجاًا للتجربة والخطأ؟ فإصلاح التشريعات لا يجب أن يأتي بعد دفع المواطنين كلفة التجربة، بل من خلال دراسة مسبقة ومشاركة أصحاب العلاقة الذين ضُربت مصالحهم وآراؤهم عرض الحائط قبل الإقرار.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

