الصحوة – شهد الشعيلية
بين براءة البدايات، وفي كَنفِ الحبور وبحارٌ مِن السّرور، حيثُ زخم النّعيم المُمتدّ، وعالم الأحلام البهيجة، حيثُ لِلحلوى قيمةٌ لا تُقدّر بثمن، وللطائرة الورقيّة رمزٌ يُطاول عنان السّماء، حين كان اللّعب هو جوهرُ الوجود، والنّوم بعد ساعاتٍ طويلة من الجري والقفز هو المُستراح الدّافئ، هُنا تتجسّد المحطّة العُمريَّة الأولى للإنسان وهي الطّفولة.
الطّفولة مكمن البساطة، وموطن البراءة، حيثُ الحريّة هي اللّغة، واللّعب والحبور هُما دستور الحّياة الحاكم، مرحلةٌ لا تعرِف مِن الحياة إلّا الرّخاء، ولا ترى إلّا الجانب المُشرق الأبيض، ولا تعترِف إلّا بالفرح، هي اللّبنة الأولى لِلكيان الذّاتيّ، ولكن عندما يُقلَق مَضجع هذه المرحلة، ويُعكّر صفوها، ويخدِش سواد الضّمائر بياضها، وتّذبح البراءة قُربانًا لأوباشٍ ساءت نُفوسهم، وسَفُلتْ ضمائرهم، وماتت إنسانيتهم، فما هو الرّادع؟ وما الّذي ينبغي فعلَه إزاء ذلك؟
إنّه لأمرٌ مُحزن أنْ تُنتَهك حقوق الأطفال في السنّ المُبكرة من حياتهم، وتُصبح ذواتهم صريعةً أمام أوباش بضمائرٍ مُقزّزة ساءت خياراتهم في الحياة، ومنه قد كشفت إحصائيات “مؤتمر الشعور بعدالة الإجراء”، الّذي أقيم في الرابع من فبراير من العام المُنصرم عن ارتفاع عدد الجرائم الواقعة في حقّ الأطفال من هتك لأعراضهم، والتّحرّش بهم، وممارسة صنوف العنف والتّقميع لاسيّما في العام السّابق للمؤتمر، والقارئ في هذه الاحصائيّات يتبيّن له أنّ الجرائم الّتي تُنتهك في حقّ الأطفال باتت تأخذ اليوم خطورة أكبر من ذي قبل في صورها وتعقّدها وحساسيتها، وقد دقّت هذه الاحصائيّات ناقوس الخطر عند السّلطات التّشريعيّة والجهات المسؤولة؛ لحمل الأمر مَحمل الجدّ والأهميّة، واتخاذ أشدّ العقوبات وأكثرها صرامة؛ لِردع الفاسدين، وتبنّي سياسات واستراتيجيات عمل أكثر نضجًا ومعياريّة، فالطفولة كيان برئ وُجِبَ علينا حمايته، وصون حقّه وكرامته، ورسالتي هي: إنّ للأسرة في المقام الأوّل تحقيق المساحة الآمنة والبيئة الحاضنة للأطفال، وللمُجتمع في المقام الثانيّ الدّور في تأسيس بيئة مُجتمعيّة تنبذ الانحلال الأخلاقيّ وتستقبح صيحات المُروّجين للفكر السقيم، وللدّولة في المقام الثالث سنّ القوانين الرادعة والّتي تكفل حقّ الأطفال، فالطفولة صورة ذهنيّة ترافق الإنسان، وتظلّ حاضرة معه حلوها بمرّها، فهم اللّبنة الأولى لكيان الأمّة.



