التهميش واستفحال الفساد يزيدان الاحتجاجات الشبابية في مخيمات تندوف
تفجرت موجة من الغضب والاحتقان داخل مخيمات تندوف، على خلفية التعيينات الأخيرة التي أقرها زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، وسط اتهامات بترسيخ منطق الولاء الشخصي والانتماء القبلي في توزيع المناصب داخل هياكل الجبهة الانفصالية ومؤسساتها.
ووفق معطيات متواترة فقد عبّر عدد من الشباب عن رفضهم استمرار سياسة الإقصاء والتمييز في تولي المسؤوليات، معتبرين أن هذه الممارسات عمّقت حالة التوتر الداخلي، خصوصاً في ظل اتهامات موجهة بتهميش فئات بعينها، من بينها ذوو البشرة السمراء، مقابل تمكين مقربين وموالين للقيادة الفاسدة.
وأضافت المصادر ذاتها أن اجتماعات متتالية عقدت خلال الأيام الأخيرة داخل المخيمات فوق التراب الجزائري، خُصصت لتدارس الأوضاع الداخلية المتفاقمة، حيث جرى التطرق إلى ما اعتبره المشاركون استفحال الفساد واستغلال النفوذ وتراكم الثروات على حساب ساكنة المخيمات، في ظل غياب آليات فعالة للمحاسبة والرقابة.
وخلال هذه النقاشات عبّر المعنيون عن رفضهم “النهج الحالي”، مطالبين بفتح تحقيقات حول قضايا تدبير المال العام، والدفع نحو تجديد النخب وإشراك وجوه شابة قادرة على قيادة مرحلة إصلاح شامل والبحث عن حل جذري يحفظ كرامة النساء والأطفال والشيوخ.
كما دعا المشاركون إلى إرساء آليات مؤسساتية لمكافحة الفساد، وإجراء انتخابات داخلية شفافة، بشكل يسمح بإعادة هيكلة القيادة، إلى جانب الدعوة إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع تنهي حالة الجمود وتضع حداً لمعاناة متواصلة منذ عقود داخل المخيمات.
شرعية متآكلة
قال محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن ما تشهده مخيمات تندوف في المرحلة الراهنة لا يمكن فصله عن تحولات أعمق تمس موقع ودور قيادة البوليساريو نفسها؛ فإلى جانب العوامل الداخلية المرتبطة بالتعيينات والاتهامات بالمحسوبية والتمييز تبرز دينامية أخرى أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة الشرعية التي تستند إليها هذه القيادة.
وأضاف ماء العينين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هامش المناورة أمام البوليساريو تقلص بشكل كبير على المستوى الدولي، خاصة مع ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي كأرضية رئيسية لأي حل سياسي، كما أكد قرار مجلس الأمن 2797، لافتاً إلى أن “هذا التطور يضعها أمام تحول نوعي، إذ لم يعد بالإمكان الاستمرار في السردية السابقة نفسها دون مراجعة جوهرية”.
واستحضر الخبير في نزاع الصحراء المغربية أن الساكنة الموجودة داخل المخيمات تمثل، عملياً، آخر مجال تستند إليه القيادة في الحفاظ على نوع من الشرعية التمثيلية؛ غير أن الإشكال المطروح اليوم هو أن هذه الساكنة لا تبدو شريكاً فعلياً في بلورة الخيارات المستقبلية، بقدر ما تُوظَّف كعنصر ضمن معادلة تفاوضية لم تتضح معالمها بعد بالنسبة لها.
ونبه المتحدث ذاته إلى أن الاحتجاجات الجارية تعكس رفضاً ضمنياً لهذا الوضع، إذ لم تعد المطالب تقتصر على قضايا التسيير أو العدالة الاجتماعية، بل امتدت لتشمل جوهر العلاقة بين القيادة والساكنة، بما في ذلك سؤال التمثيل ومن يملك حق التحدث باسم من.
واستدرك ماء العينين قائلاً: “إن ما يجري داخل المخيمات يكشف عن مفارقة بنيوية بين قيادة تسعى إلى الحفاظ على موقعها التمثيلي في سياق دولي متغير وساكنة بدأت تطالب بالتحول من موقع ‘المُمَثَّل’ إلى موقع الفاعل في تحديد المصير”.
وخلص المحلل السياسي إلى أن ما تشهده مخيمات تندوف اليوم يعكس أزمة أعمق تتجاوز الاحتجاجات الآنية، وتتمثل في تآكل الثقة في شرعية التمثيل، في ظل تحولات دولية وإقليمية تقلص من هامش المناورة، مقابل تصاعد مطلب الساكنة بأن تكون طرفاً فاعلاً لا مجرد موضوع للتفاوض.
منطق قبلي
سجل السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، أن الأوضاع في مخيمات تندوف تتسم باحتقان شديد نتيجة تراكم عدة عوامل، آخرها إقدام إبراهيم غالي على سلسلة من التعيينات في مناصب عسكرية ومدنية همت فئة مقربة منه بالولاء التنظيمي وبالقرابة القبلية الضيقة، وهو ما دفع عدداً من القبائل الصحراوية المقصية إلى الخروج بشكل علني وفي إطارها القبلي، بما يعطي الانطباع بأن الأمر يتعلق بتجمع قبلي هجين.
وأضاف رحال، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذا الوضع ينذر بمزيد من التصعيد، خاصة في ظل اقتناع متزايد داخل المخيمات بأن مشروع الدولة الموعودة قد تراجع بشكل نهائي عقب القرار الأممي 2797، الذي يكرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي كأفق للحل، وهو ما يتقاطع مع انخراط البوليساريو في مسارات تشاورية دون شروط مسبقة، في خطوة تخدم الأجندة المغربية.
وأوضح المتحدث أن التعيينات الأخيرة تعكس، بحسب تعبيره، نمط تدبير قائما على الولاءات الضيقة، مشيراً إلى أن “طريقة توزيع المناصب تعزز صورة قيادة تتحرك بمنطق مغلق، على غرار نماذج تنظيمية تقوم على النفوذ والشبكات، وليس على أسس مؤسساتية واضحة”.
ولفت المصرح الانتباه إلى أن الإقصاء طال عدداً من القبائل التي عبّرت عن سخطها، معتبراً أن هذا الحراك يعكس المزاج العام داخل المخيمات، رغم ما وصفه بـ”وجود ضغوط على الأصوات المعارضة، في ظل تحكم الجبهة في الموارد الأساسية، بما في ذلك المساعدات الغذائية ومصادر الدخل المحدودة”.
وفي هذا السياق يرى الخبير في هياكل البوليساريو أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الاحتقان، خاصة مع اقتراب مواعيد أممية مهمة، من بينها الإحاطة نصف السنوية للممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وما قد تترتب عليها من مؤشرات بخصوص مستقبل المسار السياسي، مشدداً على أن “ما يجري داخل المخيمات يعكس أزمة بنيوية مرشحة للتفاقم، إذ يبقى تزايد الاحتجاجات وارداً في ظل استمرار أساليب التدبير نفسها، وتنامي شعور الإحباط لدى الساكنة”.
The post التهميش واستفحال الفساد يزيدان الاحتجاجات الشبابية في مخيمات تندوف appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




