الذكاء الاصطناعي والسينما: صورة بلا زمن
يعود توم هانكس، المولود عام 1956، للشاشة بوجه خال من التجاعيد، كأنه انتهى للتو من فيلمه الأول. في موقع تصوير فيلم «هنا» (2024، Here) للمخرج روبرت زيميكس، تتولى أداة الذكاء الاصطناعي التوليدي Metaphysic Live تعديل الوجوه المتقدمة في السنّ في الوقت الفعلي، مستعينة بأفلام سابقة للممثلين أنفسهم. لا تتحرك الكاميرا في الفيلم، فزاوية التصوير ثابتة، وكلّ شيء يعمل بدقة جراحية. هناك إحساس بأن المكان يعمل كذاكرة رقمية تُعاد كتابتها، والقفزات الزمنية تعمل كخوارزمية تتنقّل بين طبقات الذاكرة بلا جهد، وبلا أثر للزمن على الصورة. فالإيقاع محسوب، و«الصنعة» بلا شوائب.
لست مهتمًا الآن بتناول فيلم «هنا»، بل باستخدام مشهديته لفهم لحظة تتقدّم فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى درجة من الإتقان تسمح لها بمحو الارتعاش، والتلعثم، وتفاصيل الوجوه، والتوقف غير المقصود، وعشوائية المكان، والضوء، والصوت. أي كلّ ما كان يُعدّ يومًا جزءًا من جمال الخطأ والطبيعة البشرية.
سواء رغبنا في ذلك أم لا، أحدثَ الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في إنتاج المحتوى السمعي البصري. لم يعد السؤال: هل سيؤثر؟ بل: كيف سنتكيّف معه؟ فالأنظمة الذكية موجود بالفعل، وتدخل في قلب العملية السينمائية، لا كأداة مساعدة فقط، بل كفاعل يشارك في الكتابة، وفي تشكيل الوجوه، وفي ضبط الإيقاع والألوان والصوت. وهنا يظهر التوتّر الحقيقي: هل نحن أمام تعزيز للإبداع البشري، أم أمام بداية إزاحته؟
هناك من يرى أن الخوارزمية لا يمكن أن تمتلك حسًا فنيًا، لأنها بلا ذاكرة، وبلا تجربة، وبلا حرج، وبلا خوف، وبلا رغبة. وهناك من يراها فرصة، ليس لتحلّ محلّ الإنسان، بل لمنحه أدوات جديدة، يوسّع بها خياله، ويختصر بها ما كان يستهلك وقتًا وميزانيات ضخمة.
السينما: تاريخ من التكيّف
لطالما أثارت الثورات التكنولوجية موجات من الغضب. يكفي أن نتأمل محطّات أساسية في تاريخ البشرية لندرك ذلك، والسينما لم تكن يومًا خارج هذا المسار، فالتطوّر أمر لا مفرّ منه، والعودة إلى الماضي تساعدنا على فهم جذور القلق الذي نعيشه اليوم. عام 1927 عُرض فيلم «مغنّي الجاز»، أول فيلم يضمّ حوارًا متزامنًا مع الصورة. يومها اعتُبرت الخطوة أزمة تهزّ السينما. شقّ عنصر الصوت الصف، فريق رأى فيه مستقبلًا واعدًا، وفريق آخر مثل تشارلي تشابلن وسيرغي إيزنشتاين، استقبله بالعداء خوفًا من أن يفسد الابتكار الجديد القوة التعبيرية التي بلغت ذروتها في السينما الصامتة.
حصل أمر مماثل عندما صوّر الأخوان لوميير وصول القطار إلى المحطة، شعر الناس بالخوف من هذه الوسيلة الجديدة. إنه الخوف الذي اختبره الرسامون مع ظهور التصوير الفوتوغرافي، وفنانو المسرح مع بروز السينما، والموسيقيون مع انتشار الموسيقى الإلكترونية. التاريخ يذكّرنا دائمًا بأن التطّور التكنولوجي في الفن ليس تهديدًا، بل مرحلة انتقالية تُعيد تشكيل الأدوات من دون أن تُلغي جوهر الإبداع.
خصوبة الاختراعات كانت دومًا جزءًا من غريزة بقاء السينما. لم يكن منطقيًا أن تبقى على حالها بينما تتغيّر تفاصيل حياة الإنسان. تاريخ السينما إذًا، هو تاريخ تطوّرات تكنولوجية متتالية أثرت على أدواتها وطرائق تعبيرها من دون أن تمسّ جوهرها. ومع ذلك، ورغم هذا التاريخ الطويل من التكيّف، يخيّم اليوم شعور مختلف بالخطر، شعور بأن التحوّل الحالي لا يطال الأدوات فقط، بل يلامس ماهية الصورة نفسها.
توزيع الأدوار
بعد أيام قليلة من عرض فيلم الخيال العلمي الضخم «ديون: الجزء الثاني» (2024، Dune: Part Two) سألَ المخرج بول شريدر متابعيه على فيسبوك: «هل سيكون هناك جزء ثالث من ديون بتقنية الذكاء الاصطناعي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف سنعرف؟». كان سؤالًا ساخرًا، لكنه التقط جوهر القلق.
هذا القلق نفسه ينعكس اليوم في الطريقة التي يتسرّب بها الذكاء الاصطناعي إلى خطوط الإنتاج. تتوزّع الأدوات التوليدية المستخدمة في هوليوود اليوم عبر مراحل الإنتاج المختلفة. لكن حضورها الأوضح يبقى في ما بعد الإنتاج والمؤثرات البصرية. تتصدر شركة «Flawless AI» هذا المجال بأدوات مثل «TrueSync»، التي تُعيد مزامنة حركة الشفاه بلغات جديدة، و«DeepEditor» الذي يعالج الحوار والأداء داخل برنامج المونتاج نفسه.
وفي المؤثرات البصرية، قدّم «Runway Gen-4» حلاً لمشكلة الاتساق بين اللقطات، مما دفع المخرج جيمس كاميرون إلى تبنيه. أما في الإنتاج الهجين، والذي يدمج بين إبداع الإنسان وقوة الآلة والذكاء الاصطناعي، وهو ما يوفّر الوقت والتكلفة، فتستخدم «Innovative Dreams» مزيجًا من الكاميرات الحقيقية وخلفيات خضراء (Chroma Key) وأدوات توليدية، ما سمح لها بتصوير مسلسل «القصص القديمة: موسى» (2026، «The Old Stories: Moses») في أسبوع واحد بدلًا من ستة، مع محاكاة عشرات المواقع حول العالم. وما يحصل في المؤثرات البصرية ومراحل ما بعد الإنتاج يحصل مثله في مجال الصوت.
تشير البيانات إلى أن الاستوديوهات الكبرى في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تزال تتعامل بحذر مع الأدوات التوليدية، إذ لا يتجاوز الإنفاق عليها داخل المحتوى الإبداعي 3% من الميزانيات، فيما تُخصَّص نحو 7% للعمليات الجانبية مثل العقود والتسويق والدبلجة. وهنا يوضح الصحافي والخبير الرقمي علي عواد لحبر أن «هذه الأرقام تكشف أن الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع التشغيلي لا تزال واسعة، وأن المرحلة الراهنة ليست ثورة إنتاجية بقدر ما هي إعادة تموضع استراتيجي». ويضيف أن الاستوديوهات «تستخدم الأدوات التوليدية في المساحات التي لا يراها الجمهور ولا تعترض عليها النقابات، فيما تبقى التحولات الجوهرية في صناعة الأفلام مسألة وقت».
مخاوف واضحة
وسط كلّ هذا، يخشى كتّاب السيناريو أن يتحوّل دورهم، في أفضل الأحوال، إلى تحرير نصوص يولّدها الذكاء الاصطناعي. يخافون أن تصبح أعمالهم الإبداعية مجرّد قواعد بيانات تُغذّي أدوات الكتابة، وأن تُهمّش خبراتهم لصالح من يتقنون استخدام المنصّات التوليدية. ويخشى الممثلون بدورهم أن يُجبروا على بيع صورهم للاستوديوهات كي تُستخدم مرارًا وتكرارًا، وأن تصبح تقنية التزييف العميق هي القاعدة، وأن يُستغنى عن الممثل الحقيقي. يقلقهم أن تُسجّل أصواتهم وأجسادهم وتُركّب وتُعاد برمجتها من دون تعويض مستمر، فوق ما يعانونه أصلًا من انخفاض الدخل لدى الغالبية.
هذا التخوّف ليس جديدًا، إذ وفي خضمّ نزاعات هوليوود العمالية عام 2023، وإضراباتها التي امتدّت 148 يومًا، والتي ستسجّل في التاريخ لا لأثرها الاقتصادي فقط إذ كلفت الصناعة خسائر بمقدار خمسة مليارات دولار، وإنما لنتائجها كذلك، حيث نجحت نقابة كتّاب أمريكا ونقابة ممثلي الشاشة، في فرض حظر على استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة أو إعادة كتابة المحتوى الأدبي، ولن يُعتبر أي نص مُولّد آليًا عملًا أصليًا. وفي بيانها الذي صدر سنة 2023، شدّدت النقابة على أن «الإبداع يتمحور حول الإنسان، ويجب أن يبقى كذلك». هذا العقد بين النقابات والاستديوهات يُجدَّد هذه السنة، وما ستؤول إليه المفاوضات سيحدد ما إذا كانت أدوات كتابة السيناريو ستدخل المشهد الاحترافي رسميًا، أم ستبقى على الهامش، على الأقل في هوليوود، حيث الصناعة السينمائية الأبرز عالميًا.
بين حظر مهرجان كان وفضول المخرجين
هذه السنة، اتخذ مهرجان كان الذي يقام بين 12 و23 أيار الحالي خطوة كبيرة في مسألة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والسينما، وأيضا فعلت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (الأوسكار) قبل أيام، حيث حظرَ الأفلام التي استخدمت الذكاء الاصطناعي في عملية إنتاجها.
قدّم مدير المهرجان الفنّي تييري فريمو هذا القرار بوصفه «عودة إلى الأساسيات»، مؤكدًا أن السينما رؤية إنسانية قبل أن تكون «تجميعًا للبيانات». وفي مقابلة لاحقة، شدد على أن الإبداع لا يمكن استبداله، قائلًا: «يمكنك الكتابة بأي أداة تريد، لكن لتكون مثل جيمس جويس أو فوكنر أو همنغواي أو بروست، عليك أن تمتلك العقل. لا شيء سيحلّ محله».
لكن قبل بداية مهرجان كان، وفي قصر المهرجانات والمؤتمرات الذي يستضيفه، وزعت جوائز «مهرجان أفلام الذكاء الاصطناعي العالمي»، وكشفت النقاشات أن الأمر لم يعد يدور حول فوائد هذه التقنية فقط، بل حول حدودها أيضًا. في إحدى الجلسات، جلس المخرجان كلود لولوش وماثيو كاسوفيتز، مخرجان يحملان تاريخًا طويلًا مع كان، ليتحدثا عن علاقتهما بهذه الموجة الجديدة.
ليلـوش، صاحب «رجل وامرأة» (1967، A Man And a Woman) رأى في الذكاء الاصطناعي «الموجة التقنية الكبرى التالية»، كاميرا تمنح صورًا لم تُصوَّر بعد. لكنه وضع إصبعه على الجرح، العفوية. تلك الشرارة التي يلتقطها من الممثلين في موقع التصوير. قال: «لا أعرف إن كانت الشخصيات المُولّدة قادرة على إعطائي ذلك».
كاسوفيتز، الفائز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان سنة 1995، عن فيلم «الكراهية» (La Haine)، ذهب في الاتجاه المعاكس، قائلًا إنه لمس تلك الشرارة في ممثلين مُولَّدين آليًا، وإن فيلمه المقبل لا يمكن إنتاجه من دون هذه الأدوات.
وهكذا بدا المشهد في كان هذا العام منقسمًا بين من يتمسّك بجوهر التجربة البشرية ومن يرى في الأدوات الجديدة امتدادًا طبيعيًا لتاريخ الابتكار السينمائي. وبين الموقفين، تتقدّم الموجة التوليدية بثبات، حاملة معها وعودًا كبيرة وقلقًا لا يقلّ عنها حجمًا.
التقنية أداة لا بديلًا
الذكاء الاصطناعي أداة قيّمة تُسهّل سير العمل، لكن لا يمكنه أبدًا أن يحلّ محل الحساسية الإنسانية التي تنقلها السينما، تلك التي تمنحنا المعنى وتُثرينا كبشر وقد تغيّر نظرتنا إلى موضوع ما إلى الأبد. الآلات لا تملك حياة ترويها. تعالج البيانات، وتُنجز المهام، وتُحقق النتائج، لكنها لا تعرف حزن الوداع، ولا لذّة الحبّ الأول، ولا ذلك التحوّل الهادئ الذي يصاحب تجاوز ما ظننّا أنه لا يُتجاوز. لا تحلم، ولا تجوع روحيًا، ولا تبحث. والقصص التي تُشكّلنا تُبنى من تعقيد التجربة الإنسانية، وهو ما لا تستطيع الآلة، مهما بلغت من تطوّر، أن تحاكيه.
إذا نظرنا إلى المشهد الراهن، سنجد أنفسنا في مرحلة من عدم اليقين والفضول معًا. لا أحد يريد أن يُستبعد من عالم الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه يرفضه كثيرون علنًا. ربما نحتاج إذا إلى تغيير زاوية النظر، والتوقف عن تصوير الأمر كأنه صراع لا بدّ منه.
يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد كتّاب السيناريو على تجاوز جمود الإبداع، والمخرجين على تخيّل عوالم جديدة، والمنتجين على تحسين استخدام الموارد. لكن ثمة ما هو أبعد من ذلك، وأكثر إلحاحًا: في دول العالم الفقيرة، حيث تبقى الميزانيات حاجزًا لا تجاوزه، يمنح الذكاء الاصطناعي المبدعين إمكانية إنتاج محتوى بصري متقن بتكاليف كانت حتى أمس بعيدة المنال. فلنفكر في مُخرِج شاب يعمل على فيلمه الأول، ألا يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تمكّنه من خلق مكانه دون أن يكون أسير شركات الإنتاج الكبرى؟ من هذا المنطلق، قد تصبح سينما المستقبل أكثر سهولةً وابتكارًا وتنوعًا، إذا استُخدم الذكاء الاصطناعي أداةً تعاونية لا بديلًا.
لكن الخطر يكمن في سعي بعض شركات الإنتاج إلى استبدال المواهب البشرية بتكاليف أقل، ما يؤدي إلى أفلام نمطية، متوقعة، خالية من الروح. هنا لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي نختار استخدامها. الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا، لكنه كأي أداة قوية يحتاج إلى مبادئ واضحة وقوانين ووعي فني.
السينما، قبل كل شيء، فن الزمن والخطأ. التوقف المطول في النظرة، وتلعثم الممثل أو الممثلة، والظل الذي يعبر الإطار دون قصد. يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة هذه العناصر، لكنه لا يستطيع إدراكها. يستطيع ترميز الارتعاشات، لكنه لا يستطيع الشعور بها. لهذا السبب، ورغم إسهاماته التقنية التي لا تُنكر، تبقى استقلاليته الإبداعية مجرد وهم. لأن الكمال البصري يكون أحيانًا عدوًا للواقع، وهذا ما لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزًا عن فهمه.
منذ اختراع الكاميرا، كانت الصورة السينمائية مرتبطة بفعل الالتقاط. حتى أكثر الأفلام خيالًا كانت تحتاج إلى شيء يُلتقط: جسد ممثل، ضوء، حركة، مكان، صوت. كانت الصورة دائمًا تحمل أثرًا من العالم، حتى لو كان هذا العالم مصنوعًا داخل استوديو. الصورة المولّدة لا تحمل ذاكرة ولا أثرًا ولا تاريخًا. والسينما، مهما تغيّرت، كانت دائمًا فنًّا مرتبطًا بالزمن، باللحظة التي تُلتقط، وباللحظة التي تُعاد. ما يتغيّر اليوم ليس أدوات الصناعة فقط، بل علاقتنا بالصورة. الصورة التي كانت تُلتقط، تُعاش، تُخطئ، وتحتفظ بأثر الزمن، أصبحت تُصنع بلا ذاكرة، بلا خطأ، بلا ارتباك. صورة بلا بشر.
في النهاية، الفرق الجوهري بين الإنسان والآلة يبقى في الروح. الإبداع، كما عرفناه، كان دائمًا فعلًا بشريًا، هشًّا، غير مكتمل، مليئًا بالخطأ. والسؤال الأكبر اليوم ليس إن كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على الإبداع، بل: ماذا يتبقى من الإبداع عندما تُعيد الخوارزمية تشكيله؟





