التهديد الذي يواجه الأردنإن حركة الاستيطان الإسرائيلية غير المقيدة ليست مشكلة للفلسطينيين فقط، بل تشكل أيضًا خطرًا كبيرًا على الأردن
في سبتمبر الماضي، طمأن الرئيس دونالد ترامب ملك الأردن عبد الله الثاني ومجموعة من القادة العرب والمسلمين بأن إسرائيل لن تضم الضفة الغربية خلال فترة رئاسته.
لكنّه لم يقدم أي ضمانات لوقف التوسع المستمر في المستوطنات الإسرائيلية. ويقول حلفاء واشنطن العرب إن هذا التطور يقوّض تدريجيًا إمكانية قيام حل الدولتين، الذي يُعد حجر الزاوية في السياسة الأميركية والأوروبية والعربية منذ 25 عامًا. وحتى مع اندلاع الحروب في المنطقة، استمر التوسع الاستيطاني بلا هوادة.
وربما أكثر من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، لدى المملكة الأردنية الهاشمية المعتدلة – الحليف الطويل الأمد والركيزة الأساسية للسياسة الأميركية في المنطقة – أسباب تدعوها للقلق من تداعيات تسارع الاستيطان الإسرائيلي. فالقرب الجغرافي للأردن من الضفة الغربية، ووجود سكان مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالفلسطينيين، يعنيان أن سياسات الاستيطان تؤثر عليه بشكل مباشر أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة. وتشكل الديناميكيات الحالية تهديدًا خطيرًا لاستقرار الأردن. ومع ذلك، لا توجد مؤشرات تُذكر على أن أحدًا في واشنطن يولي هذا الأمر اهتمامًا جديًا.
تواصل أعمال عنف المستوطنين تصاعدها. ووفقًا لمنظمة الحقوق الإسرائيلية “يش دين”، تم تسجيل ما لا يقل عن 257 حادثة عنف أو مضايقة من قبل المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية خلال أول 25 يومًا فقط من حرب إيران.
وفي الوقت نفسه، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على إجراءات تسمح للإسرائيليين بشراء الأراضي في الضفة الغربية مع قيود محدودة للغاية. كما تحرك لسحب صلاحيات من السلطة الفلسطينية في أجزاء من الضفة– وهي خطوات يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها تمهيد لضم فعلي.
وجاء رد الفعل في واشنطن باهتًا. وكالمعتاد، أعاد الرئيس ترامب التأكيد على معارضته للضم، لكن بخلاف ذلك، لم يتغير الكثير.
وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للأردن. فالضم الزاحف يقضي على فرص إقامة دولة فلسطينية، ويضع القضية مباشرة على عتبة عمّان.
لقد أعادت الديناميكيات الإقليمية تشكيل نفسها منذ هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023. ولم يعد معظم الإسرائيليين ينظرون إلى الفلسطينيين كشركاء محتملين للسلام. وأصبحت معادلة “الأرض مقابل السلام”، التي كانت تستند إلى عملية عادلة وقرارات الأمم المتحدة، شيئًا من الماضي.
واليوم، تسعى إسرائيل إلى فرض الاستقرار عبر الهيمنة الأمنية بدلًا من المصالحة، كما يظهر في الحروب في غزة ولبنان وإيران، وكذلك في الضم الفعلي لجزء من الأراضي السورية. وهذه هي البيئة التي يواجهها الأردن حاليًا.
وأصبحت الدبلوماسية الأميركية قائمة على الصفقات، وغير متوقعة، وتغلب عليها المصالح التجارية. وتراجعت ثقة حكومات المنطقة في قدرة واشنطن على أداء دور الوسيط إلى أدنى مستوياتها. وأصبحت المصالح الإسرائيلية في المقدمة، بينما باتت دول الخليج الغنية بالنفط الشريك المفضل لترامب.
إحاطة إيران من MBN
متابعة أسبوعية وتحليلات يقدّمها أندريس إلفِس حول ما يجري في إيران وانعكاساته الإقليمية والدولية.
خط أحمر في خاصرة الأردن
بالنسبة لصناع القرار الأميركيين، قد تبدو الضفة الغربية، التي خسرها الأردن لصالح إسرائيل في حرب عام 1967، مجرد قضية ضمن قضايا عديدة على أجندة إقليمية مزدحمة.
أما بالنسبة للأردن، فهي مسألة مختلفة تمامًا: إنها خط مواجهة. ويحذر مسؤولون أردنيون من أن الضم، الذي يبدو احتمالا قويا، قد يطلق سلسلة من التفاعلات ذات تداعيات مباشرة على المملكة. ويواصل الأردن، مثل بقية الدول العربية، دعم حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، لكنه يظل مشلولًا بسبب غياب توافق على استراتيجية السلام داخل السلطة الفلسطينية المنقسمة والمثقلة بالفساد.
وقال مسؤول أردني كبير: “لا يستطيع الأردن أن يفعل الكثير بمفرده. نحن بحاجة إلى دعم عربي، مع الضغط على واشنطن لفهم حجم التهديد الذي يشكله ذلك على إسرائيل نفسها، وعلى حلفائها.”
وفي صلب هذه المخاوف يكمن القلق من أن الضم لن يتوقف عند الحدود، بل سيعيد رسمها.
ويصف مسؤولون وسياسيون أردنيون استراتيجية إسرائيلية متعمدة. إذ تسعى إسرائيل إلى توسيع سيطرتها على منطقتي “ب” و”ج” في الضفة الغربية، مع عزل المدن الفلسطينية الرئيسية الست في المنطقة “أ” وتحويلها إلى جيوب منفصلة. ويقول مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق والسفير لدى إسرائيل والولايات المتحدة، إن هذه الخطة بدأت تتشكل بالفعل.
وبموجب هذا النموذج، سيحتفظ الفلسطينيون بحكم ذاتي محدود في هذه المدن ضمن كيان منزوع السلاح، مع بقاء السيطرة العامة على الحدود والمجال الجوي بيد إسرائيل. ويقول المعشر: “لن يكون هذا ترتيبًا دائمًا، بل حلًا مؤقتًا إلى أن تتمكن إسرائيل من طرد الفلسطينيين بطريقة أو بأخرى”.
سيناريو التهجير
بالنسبة للأردن، يُعد هذا أخطر سيناريو. إذ يغذي الخطاب التوسعي لليمين المتطرف في إسرائيل، الذي يدعو منذ فترة طويلة إلى فكرة أن “الأردن هو فلسطين”. ويُعد عدد كبير من سكان الأردن، الذين يتجاوز عددهم سبعة ملايين نسمة، من أصول فلسطينية، وقد لجأوا إلى المملكة خلال حربي 1948 و1967. ويطالب كثير من اللاجئين بحق العودة إلى ديارهم و/أو التعويض.
ووصف مسؤول كبير “أسوأ السيناريوهات” بأنه يتمثل في دفع 350 ألفًا من الأردنيين الذين يحملون الجنسية الكاملة ويقيمون في الضفة الغربية إلى عبور نهر الأردن.
ومن شأن مثل هذا التهجير أن يضع ضغطًا هائلًا على الاقتصاد الأردني الهش بالفعل، وعلى بنيته التحتية وتوازنه السياسي. وقال مسؤول عربي رفيع: “من مصلحة إسرائيل أن يظل الأردن دولة مستقرة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن الوثوق بالإسرائيليين، فإنهم يدركون أنهم لا يستطيعون تسليم الأردن للفلسطينيين، إلا إذا أرادوا خلق فوضى ستتجاوز حدودهم الأطول مع دولة عربية.”
خطة لن يقبلها أحد
يزيد من حالة عدم اليقين الحديث عن مقترح مدعوم من الولايات المتحدة يُتداول في الأوساط العربية الرسمية، ويهدف إلى تكرار ما يُسمى “نموذج غزة” في الضفة الغربية. وهذا يعني إدارة تحت إشراف أميركي، مع ضمانات أمنية من قوى إقليمية، وسيطرة إسرائيل على جميع الحدود والمعابر.
وسيتم تشكيل لجنة تكنوقراطية مستقلة عن حركتي حماس وفتح للإشراف على الحكم والخدمات العامة في معظم مناطق “أ” التي تخضع حاليًا لسلطة محمود عباس الفلسطينية المختلة، على أن تدعمها شرطة محلية وتخضع لرقابة قوة الاستقرار الدولية بقيادة الولايات المتحدة.
وسيتم دمج اللجنتين لاحقًا في هيئة وزارية مع رئيس منتخب يتم اختياره عبر اقتراع حر من قبل الشعب. وستظل القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية، مع لجنة متعددة الأديان لإدارة المواقع المقدسة.
ومن المفترض أن تنتهي العملية خلال عامين – بالتزامن مع مغادرة ترامب. ويعمل المفاوضون جاهدين لوضع أكبر عدد ممكن من المبادئ. لكن، كما هو الحال مع العديد من الخطط في الشرق الأوسط، قد لا تقبلها إسرائيل أو القيادة الفلسطينية، وقد تنهار بين عشية وضحاها.
مرصد النفوذ الصيني من MBN
منصة تفاعلية قائمة على البيانات ترصد تمدّد النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط مقارنةً بالولايات المتحدة.
خيارات محدودة ومخاطر متصاعدة
قدرة الأردن على الرد على التهديدات الإسرائيلية تقيدها اتفاقية السلام الموقعة عام 1994، والتي تتعرض الآن لضغوط، خاصة بعد أن فقد الملك عبد الله الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نتيجة تجارب سابقة. ويواجه الأردن معادلة صعبة: فمواجهة إسرائيل قد تعرّض علاقته بواشنطن والغرب للخطر.
ويبحث الأردن في مجموعة من الخيارات، لا يخلو أي منها من المخاطر. إذ يعمل على حشد الدعم العربي من خلال تصوير الضفة الغربية كقضية أمن قومي عربي جماعي، وليس مجرد تحدٍ للمملكة.
وعلى الصعيد الداخلي، تشمل الإجراءات المطروحة تشديد الرقابة على الحدود لمنع تدفق السكان، وترسيخ فك الارتباط الذي أعلنه الأردن عام 1988 مع الضفة الغربية، لإزالة أي غموض بشأن مسؤوليته تجاه الفلسطينيين في الضفة، وكثير منهم يحملون وثائق سفر أردنية دون أن يكونوا مواطنين.
وقد واصلت الأسرة الهاشمية في الأردن تمويل صيانة المسجد الأقصى في القدس. وتعترف المعاهدة بوصاية الأردن على الموقع إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن وضع الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعدها يحتفظ الأردن بدور خاص.
كما يُطرح استخدام معاهدة السلام نفسها كورقة ضغط، عبر اللجوء إلى المحاكم الدولية لمحاسبة إسرائيل على أي خرق يتعلق بالتهجير القسري. لكن هذا النهج ينطوي على مخاطر واضحة.
وهم الاستقرار
يرى مسؤولون أردنيون أن السياسات الأميركية والإسرائيلية الحالية لا تحل الصراع ولا تفتح الباب أمام سلام أوسع وتطبيع اقتصادي، بل تؤجله فقط.
وقال أحد المسؤولين: “إنهم يكتفون بتناول الأسبرين”، في إشارة إلى إدارة الأزمة بدلًا من حلها. “يحاول الأردن شرح مخاطر الضم على المملكة للإدارة الأميركية.”
ومن وجهة نظر عمّان، فإن سياسات واشنطن شجعت المزيد من السياسات الإسرائيلية العدوانية على الأرض وفي المنطقة، حيث لم يعد معظم السكان يؤمنون بإمكانية السلام مع إسرائيل.
ويعتقد المسؤولون أنه بمجرد انحسار النزاعات الإقليمية الحالية، سيتحول الاهتمام مجددًا إلى الضفة الغربية. ويحذرون أن الأوان قد يكون فات عندها لعكس الوقائع التي تم فرضها على الأرض.
ويعمل الأردن بشكل متزايد على توجيه رسائله ليس فقط إلى البيت الأبيض، بل إلى الكونغرس والرأي العام الأميركي. فالأردن لا يطلب من الولايات المتحدة التخلي عن إسرائيل، بل يطالبها بالاعتراف بأن ليست كل السياسات الإسرائيلية تخدم الاستقرار الإقليمي طويل الأمد أو المصالح الأميركية.
لطالما كان الأردن أحد أكثر الحلفاء الاستراتيجيين موثوقية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وشريكًا رئيسيًا في مجالات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب والدبلوماسية الإقليمية. وقد شكّل استقراره عنصرًا استراتيجيًا مهمًا. وقال مسؤول أمني عربي رفيع: “الأردن دولة عازلة… وهو شريك لأميركا وأوروبا وإسرائيل – ولا يمكن لأي منهم الاستغناء عنه. وليس من مصلحتهم إقامة دولة فلسطينية في الأردن أو دفع الفلسطينيين عبر النهر.”
لكن هذا الاستقرار قد لا يكون مضمونًا إذا طُلب من الأردن تحمّل تبعات سياسات لا يملك السيطرة عليها. وبالنسبة للأردن، فإن الضم ليس نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة – قد تقود إلى التهجير وعدم الاستقرار وأزمة لن تبقى محصورة في المنطقة.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).




