"التجنيد الإلزامي" يشعل الجدل في العراق... ضرورة وطنية أم عبء جديد؟
عاد ملف "خدمة العلم" في العراق إلى واجهة النقاش، مع تجديد رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي الدعوة إلى إقرار قانون "التجنيد الإلزامي"، في خطوة فجّرت انقساماً سياسياً وشعبياً بين من يراه مدخلاً لتعزيز الانضباط والهوية الوطنية، ومن يعتبره عبئاً اقتصادياً واجتماعياً لا تحتمله المرحلة الحالية.
ويأتي هذا الطرح في سياق نقاشات أوسع حيال إصلاح مؤسسات الدولة، ومعالجة البطالة بين فئة الشباب، وإعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية، بعد سنوات طويلة من التحولات التي أعقبت عام 2003. ويرى داعمو القانون أن إعادة الخدمة الإلزامية قد تسهم في رفع مستوى الانضباط، وتوفير تدريب مهني وعسكري، إضافة إلى بناء قاعدة بشرية يمكن الاستفادة منها في حالات الطوارئ والكوارث والأزمات الوطنية.
بين تعزيز المواطنة وأولويات الواقع
في المقابل، يثير المشروع اعتراضات سياسية وشعبية متجددة، إذ يرى منتقدوه أن الأولوية يجب أن تُمنح لتحسين الواقع المعيشي، وتوفير فرص العمل، وتطوير القوات المسلحة مهنياً بدلاً من توسيع قاعدة التجنيد الإجباري. كما تبرز تساؤلات بشأن الكلفة المالية الكبيرة لتطبيق القانون، في ظل الضغوط التي تواجهها الموازنة العامة، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بإدارة الملف بعيداً عن المحاصصة أو الاستثناءات الاجتماعية والسياسية.
ملف "خدمة العلم" ليس جديداً على الساحة العراقية، إذ سبق أن طُرح خلال دورات برلمانية سابقة أكثر من مرة، وشهد إعداد مسودات ومناقشات داخل اللجان المختصة، إلا أنه لم يصل إلى مرحلة الإقرار النهائي بسبب تباين مواقف الكتل السياسية، ووجود اعتراضات قانونية واجتماعية، فضلاً عن غياب توافق واضح بشأن الفئات المشمولة، ومدة الخدمة، وآليات الإعفاء والبدائل المدنية.
وتاريخياً، ارتبط التجنيد الإلزامي في العراق لعقود طويلة بمفهوم الدولة المركزية، قبل أن يتوقف العمل به بعد عام 2003 مع إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، ومنذ ذلك الحين يعود القانون إلى دائرة النقاش مع كل تصاعد في الحديث عن الهوية الوطنية أو التحديات الأمنية والاجتماعية.

انقسام سياسي وتحركات مضادة
ويقول عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، وزير الدفاع الأسبق خالد العبيدي، لـ"النهار"، إن "إعادة طرح القانون تمثل خطوة مهمة باتجاه ترسيخ مفهوم المواطنة وتعزيز الانتماء الوطني بين فئة الشباب، والبلاد بحاجة إلى برامج عملية تسهم في بناء جيل قادر على تحمل المسؤولية وخدمة الدولة".
ويضيف أن "القانون لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يتضمن أبعاداً تربوية وتنظيمية واجتماعية، من شأنها الإسهام في تعزيز الانضباط، وتنمية روح العمل الجماعي، وصقل مهارات الشباب عبر التدريب والتأهيل"، مشيراً إلى أن العديد من الدول تعتمد أنظمة مشابهة لما لها من دور في إعداد الطاقات الشابة وتنظيمها.
في المقابل، يؤكد النائب أحمد الشرماني، لـ"النهار"، أن "العراق لا يحتاج في المرحلة الحالية إلى إعادة العمل بنظام التجنيد الإلزامي"، كاشفاً عن حراك نيابي لجمع التواقيع لسحب مشروع القانون من جدول الأعمال، في ظل اعتراضات تتعلق بالكلفة المالية واحتمال فتح باب للفساد الإداري عبر ملفات الاستثناءات والعقود والتجهيزات والتعيينات المرتبطة به.
جدوى مشروطة بقدرة الدولة
أما الخبير العسكري اللواء جواد الدهلكي، فيشدد على أن مشروع قانون "خدمة العلم" يحتاج إلى دراسة شاملة وواقعية قبل المضي بإقراره، موضحاً أن نجاح أي نظام للتجنيد الإلزامي لا يرتبط بإصدار القانون فقط، بل "بقدرة الدولة على توفير البنية التحتية والإدارة الكفوءة والتمويل المستدام وآليات التطبيق العادلة".
ويحذر الدهلكي من أن تطبيق القانون دون استعدادات كافية "قد يخلق تحديات كبيرة، من بينها الضغط على الموازنة العامة، والحاجة إلى معسكرات تدريب ومناهج متخصصة وكوادر قادرة على إدارة أعداد كبيرة من المشمولين، إلى جانب ضرورة ضمان العدالة ومنع الاستثناءات غير القانونية".
ويؤكد أن حسم القانون يجب أن يستند إلى "دراسات مهنية بعيدة عن التجاذبات السياسية، مع تحديد واضح لأهدافه، سواء كانت أمنية أو اجتماعية أو تنموية، وتقييم دقيق للكلفة والفائدة، بما يضمن تحقيق المصلحة العامة وعدم تحميل الدولة أو المواطنين أعباءً غير مدروسة".





