التغيير في إيران لا تحقّقه ضربة عسكرية واسترضاء سياسي بل رجحان المجتمع على القمع
وضعت المعارضة الإيرانية المنظمة الموجودة في الخارج مذكرة لخّصت فيها الأوضاع الداخلية وتطوراتها وشرحت مواقفها وسلوكها منذ انطلاقها حتى اليوم. جاء في المذكرة أن الهدنة الموقتة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية أثارت أسئلةً متزايدة حول تداعيات الحرب وآفاق المرحلة المقبلة. فهذه الحرب لم تُشرك دول المنطقة فقط بل امتدّ أثرها الى دوائر الاقتصاد والطاقة والأمن الدولي ما يجعل "اليوم التالي" مسألة مطروحة بإلحاح. وخلال 47 عاماً أثبتت المقاربات الدولية الخاطئة تجاه طهران أنها لم تُنتج استقراراً بل أسهمت في أزمات متراكمة دفع أثمانها الإيرانيون وجوارهم والعالم. ثانياً تطرح هذه المذكرة نقاطاً أساسية ضمن المحتوى المتداول نفسه للاستفادة منها في توضيح ظروف المعارضة وعملها ولا سيما في الداخل.
- طبيعة النظام ومحددات السلوك. نظام ولاية الفقيه ذو بنية تيوقراطية أمنية يصعب عليه التكيّف مع مطالب المجتمع الإيراني الحديثة، وهو المعتمد منذ قيامه على القمع الداخلي وتصدير الأزمات إقليمياً ثم إدراج المشروع النووي ضمن أدوات الردع والبقاء. ووفقاً لهذا المنطق فهو يتمسّك بالثلاثية: البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والشبكات الوكيلة. ويقدّم تنصيب خامنئي الابن إشارة الى استمرار النهج نفسه رغم الضربات.
- سؤال السلام والاستقرار: ما الحل الواقعي؟ إذا كانت طهران لا تغيّر سلوكها جوهرياً تحت الضغط التقليدي، فإن أي تصوّر لـ"سلام دائم" سيظل هشاً ما لم يُعالج أصل الأزمة: طبيعة النظام نفسه. وعليه تطرح فرضية أن الاستقرار المستدام يمر عبر تغيير سياسي من داخل إيران، لا عبر ترتيبات موقتة تُبقي عناصر الأزمة قائمة.
- حدود التفاوض وسياسة الاسترضاء. تستند هذه القراءة الى أن التفاوض وحده لم ينجح تاريخياً في تغيير سلوك النظام، وأن سياسة الاسترضاء وتقديم التنازلات على مدى عقود أسهمت في تعزيز قدرته على المناورة، وانتهت إلى دورات تصعيد متكرّرة وصولاً إلى الحرب.
- حدود القصف العسكري في إسقاط الأنظمة. تؤكد هذه الزاوية أن الحرب والقصف لا يؤديان تلقائياً إلى إسقاط الديكتاتوريات، وأن الرهان على "انهيار ذاتي" داخل النظام "وهمٌ شائع". فالتغيير السياسي بحسب هذا المنطق يتطلب قوة اجتماعية منظمة على الأرض. والحرب قد تمنح النظام فرصة موقتة لتجميع صفوفه وتغطية أزماته تحت عنوان الخطر الخارجي.
- "الحرس الثوري" كعمود فقري. ترى هذه المقاربة أن كسر قدرة النظام على البقاء يمر عملياً عبر تحجيم أو تفكيك "الحرس الثوري" بوصفه محور القمع الداخلي والامتداد الإقليمي، والقوى المرشحة لمواجهة هذا العمود الفقري تقدّم نفسها باعتبارها انتفاضة شعبية مدعومة بشبكات تنظيمية داخلية.
- المزاج الشعبي و"الهامش الصافي" للنظام. يُستشهد في هذا السياق بتقديرات من داخل النظام. منها ما نُقل عن قاليباف في مناظرات سابقة حول محدودية القوة الصافية والوفية للنظام (نسبة 4 في المئة) الغرض من الاستشهاد هنا هو إبراز هشاشة القاعدة الاجتماعية للنظام إذا انفتحت لحظة سياسية مناسبة للشارع.
- "كانتونات الانتفاضة" ودورها التنظيمي. تطرح المذكرة أن شبكات الانتفاضة المرتبطة بمنظمة "مجاهدي خلق" تعمل منذ 12 عاماً وتوسّعت تدريجاً وأدّت دوراً في ديناميات الانتفاضات الأخيرة. وتذكّر تحذيرات خامنئي وقادة "الحرس" منها بوصفها دليلاً على إدراك النظام لخطورة التنظيم الداخلي. وتُذكر أرقام عن اعتقالات 2022 وحالات اختفاء في 2026 بحسب ما أُعلن مع الإشارة الى استمرار تمدّد الشبكة رغم ذلك.
- الإعدامات كأداة ردع واستباق الشارع ومنها إعدام 6 من "مكوّنات الانتفاضة" و7 من الشباب المرتبطين بأحداث انتفاضة يناير كجزء من سياسة تخويف استباقية تستهدف منع عودة الاحتجاجات. غير أن المذكرة تشير إلى أن هذه الإعدامات قد تتحوّل أيضاً عامل تهدئة.
- الخوف الحقيقي هو "الانتفاضة" لا "الحرب". تؤكد هذه القراءة أن مصدر رعب النظام الأساسي ليس الحرب الخارجية بقدر ما هو احتمال انفجار الشارع وتُذكر شواهد عن تحذيرات داخلية بعد "تفريغ الشوارع" خلال الحرب، ومن شدة الهلع من الانتفاضة سلّح النظام أطفالاً بعمر 12 عاماً وأجرى استعراضات أمنية عبر زجّ عناصر من "الحشد الشعبي" وقوات "فاطميون" في بعض المدن بحسب ما جرى تداوله في إطار رفع الجاهزية ضد سيناريو الانتفاضة.
- مؤشرات ما بعد الهدنة في خطاب النظام. تسجّل إشارات وكتابات مبكرة ومحسوبة عليه تحذّر من فتنة داخلية ومن استثمار "مجاهدي خلق" للظروف. يستشهد بتصريحات غلام رضا قاسميان (إبريل 9) حول التحذير من تكرار "الفراغ" كمؤشر إلى حجم القلق الأمني. إشارة إلى عملية وصل فيها مجاهدون إلى مشارف كرمنشاه عام 1988.
- بديل وانتقال: مطالب عملية قابلة للقياس تختم المذكرة بالحديث عن طرح "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" بوصفه بديلاً ديموقراطياً وإعلانه "حكومة موقتة" للانتقال استناداً إلى خطط النقاط العشر بشعار "السلام والحرية". وتؤكد أن المقاومة لا تطلب قوات أجنبية على الأرض ولا مالاً ولا سلاحاً بل تركز على ثلاثة مطالب عملية:
1- الاعتراف بالحكومة الموقتة إطاراً لنقل السيادة إلى الشعب عبر مسار سياسي واضح.
2- توفير تسهيلات تقنية فعّالة لضمان وصول الإيرانيين إلى الإنترنت.
3- إدراج وقف الإعدامات شرطاً أساسياً في أي اتفاق دولي مع طهران باعتباره مطلباً جامعاً وضرورة إنسانية عاجلة.
خلاصة: تقدّم هذه النقاط إطاراً لقراءة الهدنة باعتبارها محطة موقّتة لا تُنهي أزمة بنيوية. وفي مقالات الرأي والتحليل يمكن البناء على الفكرة المحورية "التغيير المستدام" لا يأتي من ضربة عسكرية أو من استرضاء سياسي بل من معادلة داخلية ترجّح كفّة المجتمع المنظم على جهاز القمع.




