... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
38244 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7751 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الطب بين الحقيقة والوهم

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/03/27 - 17:06 501 مشاهدة

د.علي المبروك أبوقرين

الطب بين الحقيقة والوهم ليس مجرد ثنائية لغوية إنما ساحة صراع عميق بين العلم والادعاء، وبين اليقين القائم على الدليل والشك الذي يتغذى من الخداع، وبين الحق الإنساني في العلاج الكريم وبين التلاعب الذي يحول المرض إلى فرصة للربح ويعيد تشكيل وعي الناس على غير هدى، ففي الزمن القديم كانت المجتمعات تعتمد على الموروث والتجربة والملاحظة، وكانت وسائل التداوي محدودة في الأعشاب والحجامة والكي وغيرها، وكانت الشوائب من الشعوذة محصورة في نطاق ضيق غالباً ما يرتبط بتفسيرات بدائية للأمراض النفسية والعقلية، ومع ذلك كان المجتمع قادراً بدرجة ما على التمييز بين النافع والضار في حدود خبرته المتراكمة.

أما اليوم فنحن أمام مفارقة قاسية حيث بلغ العلم ذروات غير مسبوقة وأصبحت المعرفة الطبية متاحة بضغطة زر ومع ذلك يتسع نطاق الوهم على نحو غير مسبوق، إذ تغمر الفضاء العام موجات كثيفة من المعلومات الزائفة والمضللة تتدثر بلباس العلم وتنتشر عبر الإعلام والمنصات الرقمية بسرعة تفوق سرعة تصحيحها، حتى بات المريض تائهاً بين مصادر لا تحصى يدعي كل منها امتلاك الحقيقة، ويعرض كل منها خلاصاً سريعاً أو علاجاً سحرياً.
وفي هذا المشهد لا يقتصر الخطر على الجهل إنما يتجاوز ذلك إلى وجود منظومات متكاملة تبني اقتصادها على الوهم وتستثمر في القلق الإنساني، وتحول الخوف من المرض إلى سوق مزدهرة تُعرض فيها مكملات وأدوية وأساليب علاجية وبرامج لا سند علمي لها، وتُسوق عبر وجوه تبدو خبيرة وعناوين توحي بالاعتماد والترخيص، فتختلط الحقيقة بالادعاء، ويضيع الحد الفاصل بين الطب كعلم قائم على البرهان وبين الممارسة كحرفة مفتوحة لكل من امتلك القدرة على الإقناع أو الوصول إلى الجمهور.

ومع تغول ثقافة تسليع الصحة يصبح المرض مادة اقتصادية خام تتضخم حولها صناعات وخدمات، وتُدار وفق منطق الربح وليس منطق الحاجة فتتراجع القيم الطبية الأصيلة القائمة على الإنسانية والكرامة، ويصبح المريض رقماً في معادلة السوق وليس إنساناً له حق في علاج صادق وآمن.
وما يزيد الأمر تعقيداً أن هذا المد لا يظل خارج المجتمع بل يجد طريقه إلى داخله ويتحول تدريجياً إلى ثقافة وسلوك حتى يشارك الناس أنفسهم في إعادة إنتاجه وتداوله فينشرون الوصفات غير الموثوقة، ويمنحون الثقة لمن لا يستحقونها ، ويعيدون تدوير الوهم على أنه تجربة ناجحة أو معرفة مكتسبة ، وبذلك تتسع الدائرة ويصبح الخطر مركباً من عرض وطلب، ومن مروج ومتلقي، ومن صانع وهم ومصدق له.
وفي ظل هذا التشابك يتراجع الصوت العلمي الرصين أمام ضجيج التسويق، وتفقد المؤسسات الرسمية قدرتها على الضبط أو تتأخر عن مواكبة هذا السيل المتدفق من الادعاءات، وهنا يبرز السؤال الإنساني الكبير أين يذهب المريض الباحث عن الشفاء بصدق، وكيف يميز بين الحقيقي والمزيف، ولمن يمنح ثقته في عالم يختلط فيه الطبيب الحقيقي بمدعي الخبرة ، وتتشابه فيه العيادة مع المنصة الدعائية، ويصبح فيه الترخيص لافتة لا ضمانة ، والجودة شعاراً لا ممارسة.
إن الإجابة لا يمكن أن تكون فردية بل هي مسؤولية جماعية تبدأ بإعادة الاعتبار للعلم بوصفه المرجعية الوحيدة في الطب، وتستدعي رقابة صارمة على كل من يمارس أو يروّج للعلاج خارج الأطر العلمية، وتفرض حضوراً قوياً للمؤسسات الصحية والتعليمية والإعلامية في توجيه الوعي العام وتحصين المجتمع بالمعرفة الصحيحة، وتعيد بناء الثقة عبر الشفافية والمصداقية والمساءلة، إن حماية الناس من هذا التمدد الخطير لا تتحقق بالتحذير وحده إنما ببناء منظومة متكاملة تضع حداً فاصلاً بين الطب والشعوذة، وبين العلاج والتجارة، وبين الحق والاستغلال، منظومة تعيد تعريف الصحة كقيمة إنسانية وليس كسلعة، وتعيد للمهنة قدسيتها وللمريض كرامته وللعلم مكانته، وعندها فقط يمكن أن ينحسر الوهم أمام الحقيقة ويستعيد الإنسان حقه في أن يمرض فيُعالج بصدق لا أن يُستغل فيترك فريسة للادعاء والخداع والوهم ….

The post الطب بين الحقيقة والوهم appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤