التعامل مع المتغيّرات بثوابت فئوية قديمة... تضحية بلبنان
يرتكب "حزب الله" أخطاءً جسيمة إذا اعتقد أنه على حق في استخدام الأدوات القديمة المُستهلكة مع المتغيرات الكبيرة الراهنة. وتضحياته قد تذهب سُدى، ونتائج أعماله قد ترتدّ عليه إذا ما حاول تقويض مسيرة الدولة من جديد. وضمان كرامة بيئته وحقوقها ومكانتها، لا يمكن توفيرها بالظروف الراهنة سوى من خلال الانخراط في مسيرة التعافي. وبعض أعماله البطولية السابقة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، التي تُحتسب لصالح لبنان ودفاعاً عن الجنوبيين، قد تذهب مع الرياح العاتية التي تضرب المنطقة عن بكرةِ أبيها.
إجماع لبناني
هناك شبه إجماع لبناني وعربي ودولي على رفض التعامل مع ارتدادات العدوان الإسرائيلي في لبنان عن طريق مقاومة يحتكرها "حزب الله"، وقرار الحزب مرتبط بإيران وباعترافه، وهو لا يتجاوب مع الخطوات الإنقاذية التي تمَّ الاتفاق عليها للتفاوض مع إسرائيل على قاعدة وقف إطلاق النار فوراً، وطلب انسحابها من الأراضي التي تحتلها في الجنوب، وعودة الأهالي المنكوبين إلى ديارهم. أمّا التطبيع وغير ذلك من مقاربات، فهو متروكٌ لمراحل لاحقة، تتماشى مع وحدة الموقف العربي، لا وفقاً لجدول أعمال إيران. والقوى التي تُجمِع على دعم لبنان، مُتفقة على التقييم السلبي لموقف إيران و"حزب الله"، وهؤلاء يعانون من عُزلة شبه كاملة في العالم، بينما لبنان لا يمكنه أن يعيش داخل دائرة هذه العُزلة.
من حق "حزب الله" أن يعتبر قرار طرد السفير الإيراني من لبنان مهيناً له، أو لبيئته الحاضنة، ولكن من حق اللبنانيين أيضاً تذكيره بأن هدف الطرد ليس إهانة هذه البيئة على الإطلاق، بل تأكيد رفض الاستباحة التي مارسها الحرس الثوري في لبنان، من خلال دخول ضبّاطه إلى ميدان المواجهة بجوازات سفر مزوّرة (على ما أشار رئيس الحكومة نوّاف سلام) والسفير رضا الشيباني بدأ بممارسة مهامه واتصالاته من دون أن تُقبل أوراق اعتماده من رئيس الجمهورية، وهو ما يخالف جهاراً مندرجات اتفاقية فيينّا للعلاقات الديبلوماسية لعام 1961، ولبنان وإيران عضوان فيها. ولبنان كان قد طرد سفير ليبيا مراعاةً لهذه البيئة في السابق.
سيخسر الحزب الرهان
إذا قرّر "حزب الله" الاعتراض ميدانياً على مواقف الحكومة اللبنانية، فسيضع لبنان أمام صعوبات جديدة، وسيسهم في إرباك المشهد أكثر فأكثر، لكنه سيخسر الرهان على النفاذ من المحاسبة، والعوامل التي تُحتسب لصالحه، ولا سيما بعض التعاطف من بيئته ومن المستفيدين منه، أقل بكثير من العوامل التي تعمل في غير صالحه، خصوصاً منها التضامن المحلي والعربي والدولي الواسع مع موقف الحكومة، ورئيس الجمهورية جوزف عون كما رئيس الوزراء نواف سلام، إذ أعلنا أن التهديد بالحرب الأهلية لم يعد عاملاً مُخيفاً على الإطلاق، وحسناً فعلا بعدم إفصاحهما عن المعطيات التي تمنع ذلك.
واللبنانيون مُجمِعون على الانتقال إلى مرحلة جديدة، تقرّر فيها الدولة وحدها كل ما يتعلَّق بالأمن وبالسيادة، وإدارة البلد وفق القوانين المرعيّة وبواسطة المؤسسات الدستورية وقواها النظامية حصراً.
من السهل على المعترضين على فرض الانتظام إيجاد تبريرات لمواقفهم تستند إلى تمادي العدوان الإسرائيلي، وتفلُّت هذا العدوان من كل القيود القانونية والأخلاقية، ولكن "حزب الله" هو الذي أعلن دخول حرب المُساندة مع إيران والانتقام لجربمة اغتيال المرشد السيد علي خامنئي. و"حزب الله" هو الذي وافق على التفاهمات التي حصلت مع إسرائيل في 27/11/2024. وكان يمكن لموقف منه يُعلن فيه وضع سلاحه بتصرّف الجيش اللبناني، كما وقف أنشطته العسكرية، أن يسحب من إسرائيل كل الحجج والذرائع التي تبرِّر بها عدوانها الذي استمرَّ خلال الشهور الماضية مستهدفاً كوادر عسكرية كما تدَّعي، بينما يضجّ فضاء الشرق الأوسط برمّته بتجاوزاتها التي تخطت التنكيل بالفلسطينيين وباللبنانيين لتطال ساحات أخرى بعيدة عن حدودها. وهي لن تتمكن من الإفلات من ارتكاباتها مهما امتلكت من عناصر القوة، واحتلالها لأراض لبنانية سيبقي سيف المقاومة مُسلطاً بوجهها، وليس بالضرورة أن تكون المقاومة على الشاكلة القديمة المُستهلكة والمُرتبطة بدول خارجية، فاللبنانيون قادرون على المواجهة، وإجماعهم مصدر قوة ويساندهم المجتمع الدولي، وقوة الحق ليست خاضعة لمبدأ التقادُم.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.