الصين وحرب إيران... الحزام والطريق في خطر!
بينما تبدو الحرب الدائرة على إيران في ظاهرها مواجهة عسكرية ذات أبعاد إقليمية، تمتدّ تداعياتها الفعلية أبعد من ساحات القتال، لتلامس واحدة من أكثر المسائل حساسية في الاقتصاد السياسي العالمي: شبكة الممرات التي تبنيها الصين تحت عنوان "الحزام والطريق"، التي باتت تشمل عشرات البلدان حول العالم. في الحسابات الصينية، ليست إيران مجرد شريك سياسي أو مورّد نفطي معاقَب، بل أيضاً عقدة جغرافية ومالية وتجارية تلتقي عندها مصالح الطاقة مع طرق العبور مع طموح بكين إلى تقليص اعتمادها على المنظومة الغربية. في هذا المعنى، لا تبدو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منفصلة عن نزاع أوسع على طرق التجارة العالمية، بل أقرب إلى استهداف غير مباشر لأحد المفاصل التي تحتاج إليها الصين في مشروعها العابر للقارات.
في جوهر العلاقة الصينية - الإيرانية يبرز النفط. خلال السنوات الأخيرة، تحوّلت الصين إلى المستورد الرئيسي للخام الإيراني، بما يتراوح بين 1.2 و1.5 مليون برميل يومياً في بعض التقديرات، مستفيدة من نظام معقّد من الحسوم، والوساطة، والمدفوعات باليوان، وشبكات النقل غير التقليدية. هذه المعادلة سمحت لبكين بالحصول على إمدادات مستقرة ومنخفضة التكلفة نسبياً، فيما منحت طهران شرياناً اقتصادياً حيوياً في ظل العقوبات. لكن هذه العلاقة، التي تبدو متينة، تقوم في الواقع على توازن هشّ: كلما تصاعدت الضغوط الأميركية أو تعقّدت ظروف الحرب، ارتفعت تكلفة هذا النفط على الصين، لجهة السعر وعلى صعيد المخاطر المالية واللوجستية.
لا يمكن فهم هذه العلاقة خارج إطارها الأوسع، أي الشراكة الصينية - الإيرانية التي أخذت طابعاً شبه استراتيجي منذ توقيع اتفاقية التعاون الممتدة لـ25 سنة في عام 2021، على الرغم من أنّ تنفيذ العديد من بنودها يبقى محدوداً حتى الآن. بحسب الأرقام الرسمية الصينية، بلغ التبادل التجاري بين البلدين 13.37 مليار دولار في عام 2024، فيما ترفع بعض التقديرات غير الرسمية الرقم عند احتساب تجارة النفط غير المعلنة. هذه الاتفاقية، وإن بقي كثير من تفاصيلها سرياً، تعكس توجّهاً متبادلاً: إيران تبحث عن استثمارات وأسواق تكسر عزلتها، والصين تبحث عن موطئ قدم مستقر في منطقة مضطربة، يتيح لها الوصول إلى الطاقة وتعزيز حضورها في البنية التحتية والممرات. وعلى هذا الأساس، تتجاوز العلاقة بين الطرفين كونها تجارية لتصبح جزءاً من توازنات أوسع في مواجهة الضغوط الغربية.

لكنّ أهمية إيران بالنسبة إلى الصين لا تُختصَر في الطاقة. في الخرائط النظرية لمبادرة "الحزام والطريق"، تشكّل إيران جزءاً من الممر البريّ الذي يصل غربي الصين بآسيا الوسطى ثم بغربي آسيا، قبل أن يتفرّع نحو تركيا وأوروبا أو نحو الخليج العربي وبحر العرب. هذا الموقع يمنح إيران قيمة مضاعفة: هي ليست محطة عبور فحسب، بل منفذٌ لتجاوز اختناقات بحرية، من مضيق ملقا إلى قناة السويس. وفي زمن تتزايد فيه المخاطر على طرق الشحن التقليدية، من البحر الأحمر إلى الخليج، وفي وقت يأتي فيه نحو نصف واردات الصين البحرية من الخام من الشرق الأوسط، إذ يمرّ عبر مضيق هرمز نحو خُمْس شحنات النفط والغاز العالمية، يصبح لأيّ مسار بديل وزن استراتيجيّ إضافي.
بمعنى أكثر مباشرة، تمثّل إيران في التصور الصيني خياراً استراتيجياً مهماً وممراً محتملاً بين الشرق والغرب، لا يمكن تعويضه بسهولة. إنها تتيح ربط آسيا الوسطى بالمياه الدافئة جنوباً، وربط التجارة البرية الصينية بموانئ الخليج، وتوفير مسار يخفّف الاعتماد على الطرق الخاضعة إلى توازنات بحرية معقدة. ومن هنا، ليس الحديث عن "مرور طريق الحرير عبر إيران" توصيفاً جغرافياً فقط، بل هو تعبير عن وظيفة استراتيجية في شبكة الربط التي تسعى بكين إلى ترسيخها.
من هنا، يعني أيّ انهيار أو تعطيل بعيد الأجل يصيب إيران خسارة شريك نفطي وفقدان خيار جيولوجيستي كانت الصين تراهن عليه لتعزيز مرونتها الاقتصادية. صحيح أنّ بكين تمتلك بدائل، لكنها ليست بدائل بلا تكلفة. الممرات عبر آسيا الوسطى، مثل الخط الذي يربط الصين بقرغيزستان فأوزبكستان، لا تزال في طور التطوير، وتعاني من محدودية البنية التحتية. أما "الممر الأوسط" العابر لبحر قزوين نحو القوقاز وتركيا، فيواجه تحديات لوجيستية ومؤسسية تجعل تنفيذه أبطأ وأكثر تعقيداً. وحتى الطريق البحرية الشمالية عبر القطب الشمالي، الذي تروّج له روسيا، يبقى خياراً موسمياً محفوفاً بالمخاطر المناخية والجيوسياسية.
في المقابل، يبرز مشروع "الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي" – المبادرة المتعددة الأطراف، بقيادة الولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي ودول الخليج – بوصفه محاولة لإعادة رسم خرائط الربط التجاري على نحو يتجاوز إيران. هذا المشروع، الذي يربط الهند بالخليج ثم بأوروبا، يقدّم نموذجاً بديلاً يقوم على نقل مركز الثقل من إيران إلى بلدان الخليج. بالنسبة إلى الصين، لا يمثّل مجرد منافسة اقتصادية، بل كذلك تحدياً استراتيجياً قد يهمّش دور إيران في شبكة الممرات العالمية، ويقلّص من أهمية المسارات التي راهنت عليها بكين.
في هذا السياق، تكتسب الحرب الحالية بعداً إضافياً. لا تنظر واشنطن إلى إيران كخصم إقليميّ فحسب، بل أيضاً كحلقة في شبكة أوسع تشمل الصين. السياسات الأميركية في السنتين الأخيرتين، من تشديد العقوبات على صادرات النفط الإيراني إلى استهداف الشركات والمصافي الصينية التي تتعامل مع طهران، تعكس توجّهاً واضحاً: رفع تكلفة الشراكة الصينية - الإيرانية إلى حد يجعلها عبئاً بدلاً من أن تكون ميزة. بل إن بعض الإجراءات ذهبت أبعد، طارحة إمكانية فرض أعباء تجارية على البلدان التي تستمر في التعامل مع إيران، ما يفتح الباب نظرياً أمام استخدام الملف الإيراني كأداة ضغط على الاقتصاد الصيني نفسه.
في هذا الإطار، يبرز سيناريو يتردد بقوة في التحليلات: هل يمكن أن تكون الحرب على إيران جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف الصين أيضاً، أي محاولة ضرب مورد نفطي مهم لبكين، وتعطيل ممر محتمل في "الحزام والطريق"، ورفع تكلفة تعامل الشركات الصينية مع طهران، في ضربة واحدة؟ هذا السيناريو، وإن لم يُعلَن رسمياً، ينسجم مع مسار السياسات الأميركية التي تسعى إلى كبح صعود الصين عبر أدوات متعددة، من التجارة إلى التكنولوجيا إلى الجغرافيا الاقتصادية.
هذه المعادلة تضع بكين أمام اختبار معقّد. من جهة، تحتاج الصين إلى الحفاظ على تدفقات الطاقة بأسعار معقولة، وإلى تنويع مساراتها التجارية في مواجهة الضغوط الغربية. ومن جهة أخرى، لا تستطيع بكين المجازفة بتعريض شركاتها ومؤسساتها المالية إلى عقوبات واسعة قد تضر باقتصادها الأوسع. لذلك، تبدو الاستراتيجية الصينية أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى المواجهة المباشرة: الاستمرار في الاستفادة من النفط الإيراني، لكن ضمن حدود مدروسة، والعمل في الوقت نفسه على توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على أيّ مسار واحد.
في ضوء ذلك، يمكن قراءة الحرب على إيران بوصفها لحظة إعادة تشكيل للخرائط الاقتصادية، لا مجرد نزاع عسكري. إذا أدت هذه الحرب إلى إضعاف إيران أو إخراجها من معادلة الممرات، فستجد الصين نفسها مضطرة إلى الاعتماد أكثر على مسارات بديلة أكبر تكلفة وأقلّ مرونة، وإلى مواجهة منافسة متزايدة من مشاريع تقودها قوى أخرى. أما إذا استطاعت طهران الصمود والحفاظ على دورها، فستبقى عنصراً مهماً في استراتيجية بكين، ولو من ضمن شروط أكثر تعقيداً.
في النهاية، لا تُختصَر القصة في سؤال عمّا إذا كانت إيران ستسقط أو ستصمد، بل في التكلفة التي ستتحملها الصين في كل سيناريو. في الحسابات الصينية، ليست إيران حجراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنها بالتأكيد ليست حجراً هامشياً يمكن إحلال آخر محلّه بسهولة. وبين هذين الحدّين، تتحدد ملامح الصراع الأوسع: نزاع على طرق التجارة، وعلى مصادر الطاقة، وعلى شكل النظام الاقتصادي العالمي في السنوات أو العقود المقبلة.





