الصين ليست قوة عظمى خضراء!
ينظر عدد كبير من الغربيين بدهشة إلى ما يبدو كأنه هيمنة صينية على مجال الطاقة الخضراء. في شباط/فبراير الماضين عنونت "بي بي سي" أحد تقاريرها: "الصين تتحول إلى قوة خضراء عظمى"، بينما تسهب "نيويورك تايمز" في الحديث عما تسميه "الانتصار الأخضر للصين".
في الواقع، تصنع الصين عدداً هائلاً من الألواح الشمسية، ومحطات طاقة الرياح، والسيارات الكهربائية، والبطاريات التي تغمر الأسواق العالمية، فتُقدَّم لدى مؤيديها دليلاً على أن الانتقال الأخضر حتمي لا ريب فيه. لكن هذه الإنجازات المفترَضة تُصنع في ظلّ اعتماد هائل ومتزايد على الوقود الأحفوري، وخصوصاً الفحم، فيما يبقى جزء كبير من إنجازات الصين الحقيقية في مجال الطاقة – من تضخيم القدرة الإنتاجية لدفع الازدهار، إلى التقدّم في مجال الطاقة النووية – مغموراً تقريباً.
في عام 2025، استثمر العالم 2,3 تريليون دولار في الطاقة الخضراء، تدفق أكثر من ثلثها – نحو 800 مليار دولار – من الصين، وهذا يعادل ما جمعته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معاً تقريباً. لكن حجم الإنفاق لا يُعدّ وحده مقياساً جيداً للجودة الحقيقية للاستثمار. بعد أزمة قطاع العقارات في الصين، جرى تحوّل واسع للرأس المال نحو صناعة الألواح الشمسية، وهذا أدى إلى إنتاج مفرط وطاقة إنتاجية زائدة عن حاجة العالم. وبلغت قدرة الصين على إنتاج الألواح الشمسية أكثر من ضعف حجم السوق العالمية، وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة، فيما عانت كل حلقة في سلسلة الإمداد الشمسية من خسائر على مدار 2024، مع هامش ربح غالباً ما تراجع إلى سالب 20% أو أقل، فأفلست أكثر من 40 شركة، وقلّص قطاع الصناعة ثلث قوته العاملة تقريباً. والأهم أن إنتاج الألواح الشمسية في الصين يستند إلى الفحم: فكل مصنع لصهر السيليكون يعتمد على محطة توليد كهرباء خاصة تعمل بالفحم.
أما الاستثمار اليوم في السيارات الكهربائية فيتدفّق بوتيرة متصاعدة، إذ صارت صناعة السيارات ركناً اقتصادياً أساسياً للحكومات المحلية التي كانت تعتمد سابقاً على بيع الأراضي والرسوم العقارية. ويشكّل قطاع السيارات والخدمات المصاحبة له الآن نحو عُشر إجمالي الناتج المحلي للصين. والإنتاج الزائد هنا مهول أيضاً: التوقّعات تشير إلى أن 15 شركة فقط من أصل 129 شركة لصناعة السيارات الكهربائية في الصين ستكون قادرة على الاستمرار بحلول 2030.
وتطمح الصين إلى تقليل اعتمادها على النفط المستورد، ولهذا يشتري المستهلكون الصينيون نحو ثلثي السيارات الكهربائية التي تُباع في العالم، مدفوعين من قبل سياسات بكين، ومحفزين بأسعار منخفضة جداً تنتج من وفرة الإنتاج. لكن حزم البطاريات تُصنَع بطاقة كهربائية منشأها أساساً الفحم، وتشكّل الشبكة الكهربائية التي تُشحن عليها هذه السيارات أيضاً سيادة كهربائية تعتمد على الفحم. وتشير تقديرات حديثة إلى أنه خلال عمر السيارة الكهربائية الصينية، تُطلق ما يقارب 85-90% من كمية ثاني أكسيد الكربون التي تُطلقها سيارة تعمل بالبنزين. علاوة على ذلك، تُستخدم السيارات الكهربائية في الصين لأميال أقل كثيراً من السيارات التقليدية، وهذا يعني أن الدين الكربوني يُوزَّع على مسافات أقل، فينتج معدل انبعاثات أعلى لكل ميل.

ولا تُحسّن السيارات الكهربائية حالة التلوث الجوي في الصين. فقد وجدت دراسة أن السيارات الكهربائية قلّلت أكسيد النيتروجين بنسبة 1% تقريباً، بينما زادت انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت والجزيئات المحمولة جواً بمعدل 10 و20% على التوالي، وهما ملوّثان أكثر فتكاً. ومن المتوقَّع أن يزيد ازدهار السيارات الكهربائية الصينية هذه الملوّثات أكثر، وبدون تحول جذري، حتى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نفسها ستواصل الصعود.
ورغم أن الصين أضافت في 2025 طاقة شمسية ورياحية غير مسبوقة، إلا أنها أقرّت أيضاً برنامجاً لبناء عدد غير مسبوق من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم. وتمثّل الصين أكبر مستهلك للنفط في العالم، وتُزوّد الوقود الأحفوري أكثر من 87% من طاقتها الأولية. وبلغت حصة مصادر الطاقة المتجددة 40% في 1971 عندما كانت الصين فقيرة، ثم سقطت إلى 7.5% في 2011، ومن ثم ارتفعت ببطء لتتجاوز 10% قليلاً. وفق هذا المعدل، سيستغرق التحوّل الكامل إلى الطاقة المتجددة أربعة قرون. وبيانات الوكالة الدولية للطاقة في 2023 تُظهر أن الصين أضافت 5 أضعاف كمية الطاقة من الفحم، مقارنة بما أضافته من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح معاً.
إن فكرة "الصين قوة متجددة عظمى" ليست أكثر من دعاية بيئية، رغم ما فيها من بريق سطحي. لكن هناك درسان ينبغي الاستفادة منهما من سياسات بكين في مجال الطاقة: الأول، الصين وسّعت قدرتها على استخدام الطاقة بشكل مذهل، واصبحت بذلك أغنى اقتصادياً في هذه العملية. والغرب، وخاصة أوروبا، ينبغي أن يتخلى عن القيود الذاتية التي يفرضها على قدرته الإنتاجية من الطاقة، وأن يسير في درب الصين.
انظر إلى تقنية التكسير الهيدروليكي (fracking): تُفرض فيها قيود شديدة أو حظر شامل في معظم دول أوروبا، بينما ساهمت في زيادة إنتاج الغاز الصخري الصيني بنسبة 20% سنوياً منذ 2017، وهذا وضع الصين على مسار التحول إلى ثالث أكبر منتج للغاز في العالم، وجعلها أكثر مرونة من كثير من الاقتصادات أمام تقلبات الأسعار الناتجة عن الحرب على إيران.
الدرس الثاني هو أن الصين تتسوّق في تقنيات يمكن أن تُحقّق فعلاً إزالة الكربون على نطاق واسع، خصوصاً في مجال الانشطار والاندماج النوويين. ففي الغرب، صار بناء المفاعلات النووية التقليدية مكلفاً لدرجة غير مسبوقة. وبنى الأميركيون في هذا القرن ثلاثة مفاعلات جديدة فقط، وبتكلفة هائلة، وامتداد زمني يقارب 11 عاماً لكل مفاعل. في المقابل، تُكمل الصين بناء مفاعل في خمس سنوات، وانخفضت تكلفة الإنشاء هناك إلى النصف منذ 2000. وارتفع عدد المفاعلات من 3 مفاعلات في 2000، إلى 60 اليوم، مع 37 مفاعلاً تحت الإنشاء (ما يقارب نصف العدد العالمي)، و42 مخططاً، و146 مطلوباً.
المفاعلات من الجيل الرابع، الصغيرة غالباً، تُصمَّم لتحقيق كفاءة أعلى، وتكلفة أقل، ونفايات راديو نشطة أقل ثباتاً، ومستوى أمان ذاتي أعلى. وتُقدَّر إحدى الدراسات أن الصين تتقدّم على الولايات المتحدة في هذا المجال بمدة تتراوح بين 10 سنوات و15 سنة. بدأ تشغيل أول مفاعل من هذا النوع في العالم في الصين منذ أكثر من عامين، وتُنشر الصين الآن جميع الأنواع الستة للجيل الرابع من المفاعلات. وفي مجال الاندماج النووي، تُهيمن الصين على براءات الاختراع، وخصصت موارد أكبر من أي دولة أخرى مجتمعة.
هذا ليس مجرد تكرار لقصة "الطاقة المتجددة"؛ بل سباق للحصول على طاقة وافرة ومستقرة. "الصين الخضراء" وهمٌ زائف؛ لكن حان الأوان للاستفادة من المخطط الحقيقي لبكين، عبر تضخيم استهلاك الطاقة والانخراط الجاد في الاستثمار والبحث والتطوير في مجال الطاقة النووية.
بيورن لومبورغ هو رئيس مؤسسة "تفاهم كوبينهاغن"، ومؤلف كتب «Alerte Fausse» (Alarme Fausse / Alarm False) و«Best Things First».





