السياسة المكبلة بسطوة السلاح.. لماذا يخفي الحوثيون محمد قحطان؟
يمن مونيتور / وحدة التقارير / خاص:
منذ أحد عشر عاماً، ترفض جماعة الحوثي الإفصاح عن مصير السياسي اليمني البارز والقيادي في حزب الإصلاح “محمد قحطان”. وبتوصيف وزيرة الشؤون القانونية في الحكومة اليمنية، إشراق المقطري فإن ما يحدث في قضية الإخفاء القسري لقحطان “يعد من أبشع جرائم الإخفاء في العصر الحديث”.
طوال هذه السنوات الإحدى عشرة، لم تحظَ أسرة قحطان بخبر يطمئنها أو زيارة تجمعه بها؛ لم تسمع صوته، ولم ترَ صورته، حتى أضحت أقصى أماني العائلة العثور على أي خيط يقود إليه، بعد أن طرقت كل الأبواب الموصدة دون جدوى.
عُرف قحطان بكونه رجل السياسة والشراكة، وبمواقفه الصلبة الرافضة للعنف، وحرصه الدائم على العمل بالأدوات السياسية والالتزام بالنهج السلمي، حتى غدا أحد أقطاب السياسة في اليمن على مدى عقدين، بل قطبها الأول.
إيمانه العميق بالعمل السياسي وتمسكه بأدواته، قابله وضوح وصلابة في رفض العنف والاستقواء بالسلاح؛ وهو الأمر الذي جعل الحوثيين يحملون له كل هذا الحقد، ويتعاملون مع قضيته وكأن عودته للحياة السياسية تعني بالضرورة إنهاءً لمشروع السلاح. وباستمرار إخفائه، أصبح الفضاء السياسي في اليمن يعاني من فراغ كبير، فقد مثل قحطان خلال عقدين رجل الحلول السياسية في المنعطفات الوطنية.
الاخفاء القسري لمحمد قحطان وهو السياسي الذي شهد له خصومه قبل حلفائه، التزم بقواعد العمل السياسي وكان حجر أساس في الحوار والشراكة الوطنية، يضعنا أمام التساؤل الجوهري: لماذا قحطان بالذات؟
السياسة والسلاح
السياسة والعنف، الحوار والسلاح؛ ضدان لا يجتمعان، والتجسيد العملي لهذا التضاد هو قحطان وجماعة الحوثي. فقد مثل محمد قحطان “العقل السياسي والحواري” الذي سعى لفتح أبواب الشراكة وإغلاق طرق العنف، مؤسساً لأرضية وطنية تجمع المختلفين على قاعدة صلبة، ومضيقاً دائرة الاستقواء بالبندقية. فالمساحة التي يحضر فيها قحطان، تضيق فيها لغة السلاح، ويُحشر فيها الحوثي منفرداً ومكشوفاً؛ وهي الجماعة التي ترى السلاح كل شيء، والحرب كل ما تجيده، والعنف وسيلتها الوحيدة في التمسك بالسيطرة، والقبضة الأمنية أداتها الفاعلة في تصفية الساحة السياسية.
يصف الكاتب السياسي “نبيل البكيري” دور قحطان فيقول: “شارك قحطان بقوة في صناعة السياسة اليمنية بمعناها الكبير، كأداة لبناء الإنسان فالدولة فالمجتمع؛ وهي الثلاثية التي كانت حاضرة في كل خطاباته ونضالاته منذ بداية مشواره السياسي، وحتى نهايته الأليمة المتمثلة في الاختطاف والمصير الغامض”.
ويشير البكيري إلى حنكة قحطان في جمع كل خصوم السياسة حول برنامج سياسي مشترك معارض للنظام، ومطالب بالإصلاح السياسي، وتسوية ميدان السياسة أمام الجميع، كما كان يسميها. هذه التجربة كانت تجاوزاً مبكراً وناجحاً لحوار الأفكار، ولم تنجح سوى في الحالة اليمنية.
قحطان.. الحوار والشراكة
في ميدان السياسة، لا يعلو على حنكة قحطان، وعند الاختلاف لا يتعصب، وتحت سقف المشروع الوطني لا يتخندق، وفي ظل الدولة لا يختلف عنده من أي مكون سياسي أنت. لم يكن قحطان يجيد “الفهلوة” أو التملص، بل كان يرى أن السياسي أدواته حزبية ونقابية، وأن الدولة بشقّيها (النظام والمعارضة) لا تمايز بينهما في خدمة الشعب. فالمواطن لديه هو البوصلة والحكم، والساحة السياسية هي المكان الذي يصطف فيه المواطن مع البرنامج الذي يخدمه ويقنعه.
في مؤتمر الحوار الوطني الذي ضم كل المكونات والتيارات، كان قحطان مرجعية لجميع المشاركين الذين توزعوا على 13 فريقاً من كل الأطياف، بمن فيهم جماعة الحوثي التي كانت تشارك في الحوار بينما تتقدم في “عمران” بقوة السلاح. ومثلما فتح قحطان أبواب السياسة والحوار أمامهم، أعلنها صريحة في مقابلة تلفزيونية آنذاك: “نحن اليوم، ومن نفس المنطلقات وبنفس المبادئ، نرفع أصواتنا رافضين الأسلوب الذي يمارسه الحوثيون؛ لأننا نعتقد أن استخدام العنف بديلاً عن الحوار لتحقيق الأهداف هو نهج غير صحيح”.
نجح الحوار الوطني، وكان قحطان أحد أعمدة هذا النجاح، وشعاره: “نعتقد أنه ليس أمامنا إلا أن نتحاور ونتحاور”. وضع قواعد الشراكة فأكد في كل مناسبة: “نتنازل لبعضنا بعضاً ونصغي لبعضنا في سبيل إرساء قواعد حقيقية لبناء دولة وطنية تكون عند مستوى آمال وطموحات الشعب اليمني”. واجه معوقات وصعوبات كثيرة لإنجاح الحوار الوطني وصرح بشكل علني: “هناك من يسعى جاهداً، بشتى الوسائل، لإفشال مؤتمر الحوار، البعض من فوق الطاولة والبعض الآخر من تحتها”.
رغم كل المطبات، اكتمل الحوار الوطني وصيغت وثيقته كأفضل رؤية لبناء اليمن الحديث، وفشلت رهانات إفشاله التي ذكرها قحطان، وبرز في تحدي واضح، بشخصيته التي لاتعرف الاستسلام ولذلك أخفي في أقبية الحوثي.
قحطان المتخفف من الأحقاد السياسية، والمترفع عن المكاسب الشخصية، يمد يده لكل المختلفين، مشكلاً رمزاً لمرحلة حلم فيها اليمنيون بمغادرة مربعات الصراع الأيديولوجي، وتوسيع المشتركات التي تجمع أكثر مما تفرق، كما يقول عنه الصحفي اليمني “علي الفقيه”، نائب رئيس تحرير موقع المصدر أونلاين. ويضيف الفقيه: “الجائحة الحوثية جاءت بأوهامها والتهمت كل هذه العناوين، ورأت أن عليها أن تهيل التراب على هذا الإرث بتغييب أبرز المؤسسين له والملهمين لجيل آمن بالسياسة”.
قحطان.. السياسة اليمنية المكبلة
خاض قحطان صراعاً مفتوحاً مع الحوثي؛ واجهة الجماعة بكل شجاعة، فتح لهم ميدان العمل السياسي وحذر من عواقب الاستقواء بالسلاح، طلب تحكيم العقل وتجنيب البلاد مزيداً من الأزمات والحروب. تمسك الحوثيون بمشروعهم القائم على العنف وفرض السيطرة بالقوة، في مقامرة أدخلت البلاد في حرب لم تتوقف حتى الآن. ولأجل استمرار مشروعها أخفت قحطان، الذي واجههم حتى آخر أيامه بالسياسة وغلبهم بالكلمة.
لقد أعلن “الصوم عن الكلام” حين وجد أن السياسة لم يعد لها قيمة تحت فوهة البندقية، وأن الحديث في تلك اللحظة ليس سياسة بل شرعنة للقوة. واشترط لكسر صمته رفع الإقامة الجبرية عن الرئيس والكشف عن مصيره. واجه السياسي الحكيم جماعة التمرد بكلمة واحدة “لا”، وأفشل محاولات شرعنة الانقلاب، مما أدى إلى تحولات أجهضت مشروع الحوثي سياسياً إلى الأبد. وبسبب هذه المواقف الثابتة والشجاعة، كان حقد الحوثيين عليه عظيماً، كما أشار “فؤاد الحميري” في تصريح سابق، مؤكداً أن صلابة قحطان كانت السبب المباشر في هذا التنكيل الممنهج بحقه.
قحطان.. تلازم الذات والمبدأ
قحطان ليس مجرد شخص، بل هو فكرة وموقف وقضية. تحضر شخصيته الملهمة كعنصر “عصي على الأسر والإخفاء”، كما يصفه الكاتب “جمال أنعم”. ويشير أنعم إلى أن شخصيته تجسد التلازم بين الذات والمبدأ؛ فحين حمل قحطان المبادئ، هان الفداء والتضحية أمامه، إدراكاً منه أن المبادئ لا تعيش في فراغ، بل تحتاج إلى نماذج مجسدة ترينا مدى قدرة الإنسان على التحقق والوصول إلى مستويات شاهقة من العظمة.
ويضيف أنعم: “ما يبقي قحطان حياً هو الحفاظ على قضيته حية، وإعطاء تضحيته معناها وأبعادها الوطنية والإنسانية، ورمزيتها الكبرى على صعيد المقاومة والنضال”.
The post السياسة المكبلة بسطوة السلاح.. لماذا يخفي الحوثيون محمد قحطان؟ appeared first on يمن مونيتور.



