الصراعات السياسية و"سوء الإدارة" يرهنان النفط العراقي بمحدودية الخزن ومنافذ التصدير
شفق نيوز- بغداد
يعاني العراق منذ سنين عدّة من أزمة إدارة القطاع النفطي، فرغم امتلاكه أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، والتي تصل إلى أكثر من 150 مليار برميل، والتي تضعه في المرتبة الرابعة أو الخامسة عالمياً، وبنسبة تتراوح بين 8.2% و8.4% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، فإن المشكلة لا تقتصر على وفرة الثروة، بل في كيفية إدارتها.
وتجد البلاد التي يقوم اقتصادها بشكل شبه كامل على النفط، نفسها أمام مفارقة صعبة بين إنتاج ضخم للخام واختناق في التصدير، جراء سعات الخزن المحدودة في موانئ الجنوب، والتي تتركز معظمها في الحقول العملاقة مثل الرميلة، وغرب القرنة، ومجنون.
ومع أي تباطؤ في عمليات الشحن، تمتلئ الخزانات سريعاً، ما يفرض ضغطاً مباشراً على الإنتاج وقد يدفع إلى خفضه اضطرارياً.
هرمز نقطة "خنق" حيوية للعراق
تأخر العراق في تطوير أسطول ناقلاته النفطية لا يرتبط بعوامل تقنية أو مالية فقط، بل يعود إلى ضعف مركّب في الجوانب المؤسسية والسياسية والإدارية، وفق ما يؤكده الخبير النفطي عاصم جهاد.
ويقول جهاد في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "الجدل المستمر حول جدوى بناء أسطول وطني، في ظل اعتماد شركة تسويق النفط (سومو) على عقود (FOB) التي تُحمّل المشتري مسؤولية النقل، فتحوّل هذا الأمر إلى مبرر لتأجيل القرار بدل حسمه ضمن رؤية استراتيجية واضحة".
ويضيف أن "عدم الاستقرار السياسي وتغيّر الوزراء وتفاوت أولوياتهم، إلى جانب ضعف الكفاءات القيادية والتردد في اتخاذ القرارات، فضلاً عن التدخلات السياسية في الملفات الفنية، جميعها عوامل أعاقت تنفيذ مشاريع طويلة الأمد، ومنها مشروع الناقلات".
ويشير جهاد، إلى أن "محدودية التخصيصات المالية لقطاع النقل البحري مقارنة بقطاع الإنتاج أسهمت أيضاً في تأجيل بناء الأسطول، ما أدى إلى اعتماد شبه كامل على شركات الشحن العالمية، وتقليص مرونة العراق في إدارة صادراته النفطية".
"مضيق هرمز يمثل نقطة اختناق حيوية للعراق، إذ تمر عبره غالبية صادرات النفط القادمة من الجنوب، في ظل غياب منظومة أنابيب متكاملة ومنافذ تصدير بديلة"، بحسب ما يؤكد جهاد الذي يشدد على أن "ضعف البنية التحتية للأنابيب والاعتماد على مسار واحد للتصدير يجعل أي اضطراب في المضيق ينعكس مباشرة على الصادرات والإيرادات، ويكشف هشاشة المنظومة التصديرية لواحد من أهم الموارد السيادية في البلاد".
ومع تكرار التحديات في الممرات البحرية جراء تصاعد التوترات الإقليمية، فإن البنية التحتية تكشفت هشاشتها، من ضعف الاسطول البحري إلى غياب البدائل الاستراتيجية، إذ يمتلك العراق عدداً غير كافٍ من ناقلات النفط الكبيرة، ويعتمد بشكل رئيسي على عدد محدود من الناقلات التابعة إلى شركة ناقلات النفط العراقية، أبرزها ناقلتا "بغداد" و"أكد"، وهما ناقلتان صغيرتان نسبياً لا تكفيان لتغطية حجم الصادرات، ما يضطر البلاد إلى الاعتماد على ناقلات مستأجرة أو مملوكة للمشترين، ويحد من مرونة القرار النفطي ويرفع كلف النقل.
وامتلك العراق في أواخر سبعينيات القرن الماضي 26 ناقلة نفط ضمن إسطوله، ليكون الأقوى من بين الدول العربية في النقل البحري النفطي، وكانت حمولتها تصل إلى نحو 250 – 300 ألف طن وتستخدم لتصدير النفط الخام إلى أوروبا وآسيا، لكن الحروب في الثمانينيات وما بعدها، تسببت بتدمير إسطول الناقلات بشكل شبه كامل.
صراعات سياسية
وينتقد الخبير الاقتصادي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة ذي قار، نجم عبد طارش، طريقة إدارة الملف النفطي في العراق، معتبراً أن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى صناع القرار السياسي وداخل وزارة النفط انعكس سلبًا على استثمار أهم مورد اقتصادي في البلاد.
ويقول طارش في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "وزارة النفط لم تدار وفق أسس مهنية واقتصادية واضحة، بل خضعت في كثير من الأحيان إلى توازنات سياسية وصراعات داخلية، ما جعلها أقرب إلى ساحة لتوزيع المغانم بدلاً من كونها مؤسسة تدير ثروة سيادية".
وفي ما يتعلق بالخزانات النفطية، يوضح طارش، أن "العراق يصدر نحو 70% من نفطه إلى الأسواق الآسيوية، وكان من المفترض أن يمتلك شبكة خزانات موزعة في تلك الدول، تستخدم في حالات الطوارئ وتمنح بغداد مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات، فضلًا عن تعزيز ثقة المستوردين".
ويشير إلى أن "دولاً إقليمية سبقت العراق في هذا المجال، إذ تمتلك طاقات تخزين خارجية تُقدّر بنحو 140 مليون برميل كما في السعودية، فيما تعتمد إيران على تخزين عائم يصل إلى نحو 190 مليون برميل في ناقلاتها، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة في الأسواق".
ويستطرد طارش في حديثه، أن "غياب مثل هذه المشاريع في العراق يعكس خللاً واضحاً في إدارة المورد النفطي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على التصدير البحري عبر ممرات حساسة مثل مضيق هرمز".
ويختم بالقول، إن "استمرار خضوع وزارة النفط للتوازنات السياسية، مع غياب الاختصاص والحوكمة الرشيدة، سيبقي العراق عاجزاً عن إدارة موارده بشكل صحيح، رغم امتلاكه إمكانات نفطية هائلة كان يمكن أن تضعه في موقع أكثر استقراراً وتأثيراً في الأسواق العالمية".
وتعتبر الطاقة الخزنية للنفط في العراق محدودة نسبياً، حيث تقدر بنحو 5 إلى 6 أيام فقط من الإنتاج، وهي من الأدنى مقارنة بدول الجوار وتعتبر محدودة مقارنة بحجم الإنتاج. وتتركز أغلب الخزانات في البصرة قرب موانئ التصدير، مع وجود سعات أقل في بغداد وكركوك.
أزمة منافذ التصدير
وفي السياق ذاته، يحذر الخبير النفطي ضرغام محمد علي، من تداعيات الاعتماد شبه الكلي للعراق على ممرات بحرية محدودة، مؤكداً أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضائق الحيوية يضع صادرات البلاد النفطية أمام مخاطر كبيرة.
ويقول علي في حديث لوكالة شفق نيوز، إن المضيق يُعد نقطة مفصلية للعراق، إذ تمر عبره أكثر من 90% من صادراته النفطية، فضلاً عن الجزء الأكبر من الاستيرادات القادمة من آسيا، ما يجعل أي توتر فيه ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العراقي.
ويضيف، أن البدائل الحالية "ضعيفة ومحدودة"، مشيراً إلى أن خطوط أنابيب خط كركوك - جيهان وخط إقليم كوردستان إلى جيهان لا توفران سوى هامش ضيق للمناورة، إلى جانب النقل البري عبر الأردن وسوريا الذي يبقى مكلفاً وغير قادر على تلبية احتياجات التصدير الكبيرة.
ويوضح علي، أن الاعتماد على موانئ تصدير بديلة بشكل مؤقت، عبر الشاحنات أو الوسائل المحدودة، لا يشكل حلاً استراتيجياً، بسبب ارتفاع الكلف التشغيلية وضعف الطاقة الاستيعابية مقارنة بحجم الإنتاج العراقي.
ويشدد الخبير على أن "المرحلة التي تلي انتهاء الأزمة يجب أن تشهد تحركاً سريعاً من الحكومة"، داعياً إلى المباشرة بمشروع خط البصرة - العقبة كخيار استراتيجي لتنويع منافذ التصدير وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
ويختم بالقول، إن تنويع طرق التصدير لم يعد خياراً، بل "ضرورة اقتصادية وأمنية" لضمان استقرار إيرادات العراق وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات المستقبلية.
حلول مؤقتة
تعامل العراق مع المتغيرات الحالية في ظل إغلاق مضيق هرمز، اتسم بطابع الإدارة المرحلية أكثر من كونه معالجة استراتيجية شاملة، وفق ما أكده الخبير الاقتصادي محمد الحسني.
ويقول الحسني في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "العراق لجأ في محاولة لإيجاد منافذ بديلة، إلى تصدير جزء من نفطه بوساطة الحوضيات (الصهاريج) عبر الأراضي السورية وصولاً إلى ميناء بانياس، ألا أن هذه الخطوة تُعد معالجة آنية محدودة التأثير، نظراً لارتفاع كلفتها التشغيلية وضآلة الكميات التي يمكن نقلها مقارنة بحجم الصادرات النفطية اليومية عن طريق الخليج".
ويشير إلى أن "العراق اعتمد على مرونة نسبية في الإنتاج، حيث يمكن خفض أو ضبط معدلات الضخ مؤقتًا لتجنب تراكم كميات كبيرة من النفط داخل الخزانات، خاصة مع محدودية الطاقة التخزينية، لتفادي الاختناق النفطي، لكن هذه الإجراءات تبقى محدودة، بسبب استمرار اعتماد العراق شبه الكامل على التصدير البحري، وعدم وجود بدائل استراتيجية فعالة مثل خطوط أنابيب كافية أو خزانات خارجية قريبة من الأسواق الرئيسية، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية ينعكس مباشرة على الاقتصاد".
ويؤكد الحسني، أن "تعامل العراق مع هذه المتغيرات اقتصر على احتواء التداعيات عبر حلول مؤقتة، مثل التصدير بالحوضيات، دون معالجة جذرية تكفل استدامة واستقرار قطاعه النفطي على المدى الطويل في ظل الظروف التي تشهدها المنطقة".
وكان مدير إدارة الاتصال في الشركة السورية للبترول، صفوان الشيخ أحمد، قد أعلن في وقت سابق اليوم الاثنين، عن وصول الدفعة الثالثة من النفط العراقي عبر معبر التنف باتجاه مصفاة بانياس.
وأوضح الشيخ أحمد لوكالة شفق نيوز، أن القافلة تضم 180 صهريجاً من زيت الوقود (الفيول) قادمة من العراق وصلت إلى معبر التنف عند الساعة الخامسة من مساء اليوم.
ورجح أن تصل صهاريج النفط إلى بانياس مساء اليوم.




