السلام كأس السم الجديد للنظام الإيراني
منذ أن أعلن خميني في عام 1988 قبوله وقف إطلاق النار مع العراق، ووصف ذلك بأنه "تجرّع كأس السم"، ارتبط مفهوم السلام في الوعي السياسي لنظام ولاية الفقيه بمعنى مختلف تمامًا عمّا تعرفه الشعوب. فالسلام بالنسبة إلى الشعوب يعني نهاية المعاناة وفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار، أما بالنسبة إلى هذا النظام فقد كان دائمًا يعني العودة إلى مواجهة أزماته الداخلية من دون غطاء الحرب والتوترات الخارجية. اليوم، وبعد التفاهم الذي أدى إلى وقف الحرب الأخيرة، يبدو أن النظام الإيراني يواجه نسخة جديدة من ذلك "السم". فبينما رحبت المقاومة الإيرانية بأي تفاهم يضع حدًا للحرب ويخفف معاناة الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، عادت إلى الواجهة أسئلة حاولت السلطة الهروب منها طوال الأشهر الماضية: ماذا عن الأزمة الاقتصادية؟ ماذا عن الفقر المتفاقم؟ ماذا عن الإعدامات؟ وماذا عن الاحتجاجات الشعبية التي لم تتوقف بالرغم من القمع؟ إن قراءة ما تنشره الصحف ووسائل الإعلام التابعة للنظام تكشف حجم القلق الذي يسيطر على أجنحة السلطة. فالصراع العلني حول الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة، والاحتجاجات التي خرجت حتى داخل بعض الأوساط المحسوبة على النظام ضد فريق التفاوض، يعكسان حقيقة أن الأزمة لم تعد خارجية بقدر ما أصبحت أزمة داخلية تتعلق بمستقبل النظام نفسه. لقد اعتاد النظام طوال العقود الماضية استخدام الحروب والتوترات الإقليمية كوسيلة لتبرير القمع الداخلي وتأجيل الانفجار الاجتماعي. ومن لبنان إلى العراق وسوريا واليمن، كانت سياسة تصدير الأزمات جزءًا أساسيًا من استراتيجية البقاء. لكن مع تراجع منسوب المواجهة العسكرية، يعود الاهتمام الشعبي تلقائيًا إلى القضايا اليومية التي تمس حياة الإيرانيين مباشرة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالأرقام التي تنشرها وسائل الإعلام الرسمية تتحدث عن اتساع خط الفقر، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وأزمة الخبز، وتراجع القدرة الشرائية لملايين المواطنين. كما أن الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها أكثر من عشرين مدينة إيرانية خلال الأسابيع الأخيرة تؤكد أن حالة الغضب لم تتراجع، بل تبحث عن فرص جديدة للتعبير عن نفسها. ولهذا السبب تحديدًا أكدت السيدة مريم رجوي أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الحرب أو في وقفها، بل في طبيعة النظام نفسه. فمحاولات إنتاج القنبلة النووية، وإثارة الحروب، والتدخل في شؤون دول المنطقة، ليست أخطاء سياسية عابرة، وإنما عناصر أساسية في استراتيجية بقاء نظام ولاية الفقيه. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني انتهاء الأزمة، لأن الأسباب التي ولّدت الأزمات ما زالت قائمة. إن ما يخشاه النظام اليوم ليس الصواريخ ولا الضغوط الخارجية فحسب، بل عودة التركيز إلى الداخل الإيراني. فبعد توقف الحرب، لم يعد بالإمكان إخفاء الإعدامات المتزايدة، ولا تبرير الانهيار الاقتصادي، ولا تجاهل مطالب ملايين الإيرانيين الذين يريدون الحرية والعدالة والكرامة. ولهذا يبدو السلام بالنسبة إلى النظام أقرب إلى "كأس السم" الجديد. فالحرب كانت توفر له فرصة لتعبئة أجهزته الأمنية وتوحيد صفوفه مؤقتًا تحت شعار مواجهة الخطر الخارجي، أما السلام فيعيده إلى مواجهة الحقيقة التي حاول الهروب منها طويلاً: شعب يرفض الاستبداد، وأزمات متراكمة لم يعد بالإمكان إخفاؤها، ومقاومة منظمة تواصل العمل من أجل تحقيق التغيير الديمقراطي. ومن هنا، فإن مستقبل إيران لن يتحدد بنتائج المفاوضات وحدها، بل بقدرة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة على تحويل هذا الواقع الجديد إلى فرصة من أجل بناء جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة واحترام حقوق الإنسان والتعايش السلمي مع دول المنطقة والعالم. فالحرب قد تتوقف بقرار سياسي، أما السلام الحقيقي والدائم فلا يمكن أن يتحقق إلا بزوال الأسباب التي صنعت الأزمات طوال العقود الماضية.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





