لم تعد أزمة السكن في سورية مرتبطة بعدد الوحدات المطلوبة فقط، بل باتت ترتبط أساساً بقدرة الأسر على الوصول إلى المسكن. فبين دمار طال جزءاً كبيراً من المخزون السكني، وارتفاع تكاليف البناء، وتراجع الدخول، وضعف التمويل، تتسع الفجوة بين الحاجة إلى السكن والقدرة على شرائه أو استئجاره.
فجوة سكنية
تقدر المؤسسة العامة للإسكان حجم التحدي بأكثر من 1.3 مليون منزل مدمر، إضافة إلى حاجة تقدر بنحو 400 ألف وحدة نتيجة النمو السكاني، ما يعني ضغطاً سكنياً يتجاوز 1.7 مليون وحدة، مع الإشارة إلى أن جزءاً من المساكن المتضررة يمكن ترميمه وإعادة تأهيله بدلاً من إعادة بنائه.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الحل يكمن في بناء ملايين الوحدات السكنية، لأن السؤال الأهم هو: هل يمتلك المواطن القدرة على شراء ما سيجري بناؤه؟
العقار خارج القدرة
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور خليل الحمدان لـ«الوطن» إن «المشكلة السكنية في سورية لم تعد مشكلة عرض فقط، وإنما أصبحت مشكلة قدرة شرائية وتمويلية، لأن الفجوة بين أسعار المساكن ودخول الأسر اتسعت إلى حد يجعل امتلاك المسكن متعذراً فيما يتعلق بشرائح واسعة».
ويرى الحمدان أن «زيادة المعروض السكني من دون ربطه بالقدرة الشرائية للمواطن قد تنتج مساكن جديدة، لكنها لن تنتج حلاً سكنياً، لأن المسكن الذي لا يستطيع المواطن شراءه لا يشكل عرضاً سكنياً فعالاً بالنسبة إليه».
وهنا تظهر المفارقة في السوق السورية: عقارات مرتفعة الأسعار، ومساكن غير مأهولة، وأسر تحتاج إلى السكن ولا تستطيع شراءه، بل إن جزءاً منها يواجه صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف الإيجار.
أزمة الطلب
وجود مئات آلاف الأسر المحتاجة إلى السكن لا يعني وجود العدد نفسه من المشترين القادرين على الدفع.
فالطلب السكني الحقيقي لا يقاس بعدد الأسر التي تبحث عن منزل، وإنما بعدد الأسر التي تستطيع دفع ثمنه أو الحصول على تمويل يسمح لها بذلك.
وهذا ما يفسر تعثر عدد من مشاريع التطوير العقاري، في ظل ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء والطاقة والنقل، إلى جانب ضعف التمويل طويل الأجل ومحدودية القدرة الشرائية.
التمويل أولاً
تحتاج معالجة أزمة السكن إلى شراكة بين الدولة والمصارف والمطورين والمواطن.
فالدولة تستطيع توفير الأراضي المخدمة والبنية التحتية والتسهيلات، بينما يتولى المطور العقاري البناء وفق أسعار وشروط تستهدف شرائح محددة، وتوفر المصارف التمويل السكني طويل الأجل.
ويشير الحمدان إلى أن «التمويل السكني يجب أن يتحول إلى جزء من السياسة الإسكانية، وليس مجرد منتج مصرفي، من خلال قروض تمتد إلى 15 أو 20 أو 25 عاماً، وبأقساط تتناسب مع دخل الأسرة وقدرتها على السداد».
كما يمكن توسيع نموذج الإيجار المنتهي بالتملك، وإنشاء صندوق وطني للتمويل السكني تشارك فيه الدولة والمصارف والمستثمرون، ويوجه بصورة أساسية إلى ذوي الدخل المتوسط والمحدود.
البناء ليس وحده
ولا ينبغي أن تتركز المعالجة على البناء الجديد فقط، إذ يمكن أن تشكل إعادة تأهيل المساكن المتضررة القابلة للإصلاح مساراً أسرع وأقل تكلفة لزيادة المعروض السكني.
كما يمكن توجيه الأراضي العامة نحو مشاريع سكنية ميسرة، واستقطاب رأس المال السوري في الخارج إلى مشروعات تضيف وحدات جديدة إلى السوق، بدلاً من اقتصار الاستثمار على شراء العقارات القائمة، بما قد يؤدي إلى زيادة الأسعار من دون زيادة المعروض.
سياسة إسكان
أزمة السكن السورية تحتاج إلى الانتقال من منطق «مشروعات الإسكان» إلى «سياسة إسكان» متكاملة، تقوم على معرفة حجم الحاجة الفعلية، وتحديد المساكن القابلة للترميم، وحصر الأراضي المتاحة، وقياس قدرة الأسر على الشراء والسداد.
ويقول الحمدان، إن «المعيار الحقيقي لنجاح السياسة السكنية ليس عدد الوحدات التي يجري بناؤها، وإنما عدد الأسر التي تستطيع فعلياً امتلاك أو استئجار مسكن ملائم ضمن قدرتها على الدفع».
وفي النهاية، فإن سورية قد تحتاج إلى ملايين المساكن، لكن التحدي الأكبر ليس في تشييدها فقط، بل في جعلها قابلة للوصول إلى المواطن.
فالسؤال لم يعد: كم مسكناً تحتاج سورية؟
بل: كم سوريّاً يستطيع شراء المسكن الذي نبنيه؟




