... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
155550 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7630 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

الشرق الأوسط يدخل مرحلة "شلل القوة" بلا نظام واضح… ونفوذ طهران تغيَّر شكله

العالم
ليبانون فايلز
2026/04/12 - 05:38 501 مشاهدة

يقول الأكاديمي اللبناني د. عماد سلامة إن الضربات التي نفَّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران حققت نجاحات عملياتية ملموسة، لكنها أخفقت في تحقيق الحسم الاستراتيجي أو إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني. فطهران، برأيه، لم تنهَر بل أعادت تموضعها، معززة اعتمادها على أدوات الرد غير المباشر، ورافعـة كلفة المواجهة عبر توسيعها إلى ساحات الطاقة والخليج.
سلامة، الذي يشغل منصب رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية الأمريكية، يُشير إلى أن وقف إطلاق النار الحالي لا يتجاوز كونه هدنة هشّة ضمن مسار تفاوضي طويل، مرجّحاً أن يقود إلى تفاهمات جزئية أكثر من اتفاق شامل، في ظل انعدام الثقة بين الأطراف. كما يرى أن إيران تتجه نحو إعادة إنتاج نفوذها بصيغة أكثر مرونة، قائمة على التعطيل الاستراتيجي بدل السيطرة المباشرة.
يعتبر أن الحرب أعادت خلط موازين القوى من دون أن تُنتج نظاماً مستقراً، حيث خرجت دول الخليج أكثر انكشافًا، بينما عززت كل من روسيا والصين موقعهما، في مقابل تراجع الدور الأوروبي.
ويرى أن بقاء لبنان خارج ترتيبات وقف إطلاق النار يعكس سعي إسرائيل إلى مواصلة الضغط على «حزب الله»، وتحويل ملف سلاحه إلى قضية داخلية، ضمن مسار تفاوضي أوسع مرتبط بالمفاوضات الأمريكية-الإيرانية. ويحذّر في الوقت نفسه من أن المرحلة المقبلة تحمل مخاطر اضطراب داخلي، وإن كانت احتمالات الانزلاق إلى صدام أهلي ليست حتمية وتبقى رهناً بتوازنات دقيقة. وهنا النص الحوار:
○ كيف تُقيِّم الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لجهة نتائجها المتوقعة؟ هل يمكن القول إن أهداف الحرب المعلنة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طريق التحقّق؟
• الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يمكن توصيفها كحملة حققت نجاحات عملياتية واضحة لكنها أخفقت في بلوغ هدفها الاستراتيجي النهائي. فمن حيث النتائج المباشرة، تمكنت الضربات الجوية والاستخباراتية من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية، خصوصاً المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي ومراكز تطوير الصواريخ. كما أن استهداف القيادات العسكرية العليا خلق حالة من الارتباك المؤقت داخل هرم القيادة الإيرانية، وأضعف القدرة على التنسيق في المراحل الأولى من الحرب. هذه النتائج تمنح إدارة الرئيس دونالد ترامب مادة كافية للقول إن جزءاً مهماً من الأهداف قد تحقق، خصوصاً ما يتعلق بإبطاء البرنامج النووي وتقويض القدرات الهجومية الإيرانية.
لكن عند الانتقال إلى المستوى الاستراتيجي، تظهر محدودية هذه الإنجازات. الهدف غير المعلن، بل الضمني، كان دفع النظام الإيراني نحو الانهيار أو على الأقل خلق دينامية داخلية تؤدي إلى تغييره، وهذا لم يتحقق. على العكس، أظهر النظام قدرة على التكيّف، وانتقل إلى استراتيجية الرد غير المباشر، ففعَّل شبكاته الإقليمية ورفع كلفة الحرب على خصومه. إغلاق أو التهديد بإغلاق مضيق هرمز شكَّل نقطة تحوُّل، إذ نقل الصراع من كونه مواجهة عسكرية محدودة إلى أزمة اقتصادية عالمية. كما أن استهداف منشآت الطاقة في الخليج أدخل أطرافاً جديدة في دائرة التهديد.
إضافة إلى ذلك، ساهمت الحرب في تعميق الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، الذين وجدوا أنفسهم أمام كلفة اقتصادية مرتفعة دون دور سياسي حقيقي. بالتالي، يمكن القول إن الحرب نجحت في تحقيق أهداف تكتيكية، لكنها فشلت في تحقيق الحسم السياسي، وهو ما أدى إلى إطالة أمد الصراع وتعقيده.
○ نشهد وقف إطلاق النار لأسبوعين من أجل التفاوض الأمريكي-الإيراني للتوصل إلى اتفاق؟ هل هناك فرصة فعلية للاتفاق أم نحن أمام مجرد هدنة مؤقتة؟
• وقف إطلاق النار الحالي لا ينبغي فهمه كمرحلة نهائية، بل كجزء من عملية تفاوضية أوسع وأكثر تعقيداً. التجارب التاريخية تُشير إلى أن مثل هذه الحروب، خاصة عندما لا تنتهي بانتصار حاسم، تتحوَّل إلى مسارات تفاوض طويلة تتخللها فترات تهدئة مؤقتة. في هذه الحالة، يبدو أن الطرفين، الأمريكي والإيراني، توصلا إلى قناعة بأن استمرار المواجهة المباشرة سيؤدي إلى كلفة غير محتملة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني.
من المرجح أن نشهد مرحلة من خفض التصعيد تمتد لأسابيع أو حتى أشهر، يتم خلالها فتح قنوات تفاوض رسمية وغير رسمية. هذه المفاوضات لن تهدف في البداية إلى اتفاق شامل، بل إلى إدارة الأزمة ومنع عودة التصعيد. وبالتالي، قد نرى سلسلة من التفاهمات الجزئية، مثل ترتيبات أمنية مؤقتة، أو آليات لخفض التوتر في الخليج، أو خطوات محدودة تتعلق بالبرنامج النووي.
لكن الطريق نحو اتفاق شامل سيكون صعباً، نظراً لانعدام الثقة بين الطرفين. كل طرف سيحاول تقديم تنازلات محدودة مقابل مكاسب ملموسة، مع الحرص على عدم الظهور بمظهر الضعيف أمام جمهوره الداخلي. لذلك، من المرجح أن يتم تسويق أي تقدّم على أنه «انتصار» حتى لو كان محدوداً.
بالتالي، نحن أمام هدنة قابلة للتمديد، لكنها تبقى هشَّة، وقابلة للانهيار في أي لحظة إذا ما حصلت حادثة ميدانية كبيرة أو تغيُّر في الحسابات السياسية. الاتفاق ممكن، لكنه سيكون تدريجياً، وغير مكتمل، ويعكس توازن القوى أكثر مما يعكس تسوية نهائية.
○ نحن اليوم أمام أي إيران؟ هل فعلاً قد نرى تحوُّلات في عقلية نظام الجمهورية الإسلامية؟ وهل ما زال قادراً على الاستمرار؟
• إيران بعد الحرب ليست كما كانت قبلها، لكنها أيضاً ليست في حالة انهيار. يمكن وصفها بأنها دولة تعرضت لضربات قاسية، لكنها ما زالت تحتفظ بعناصر القوة الأساسية التي تضمن بقاء النظام. أول هذه العناصر هو غياب البديل السياسي المنظم والقادر على ملء الفراغ في حال سقوط النظام. هذا العامل وحده يشكل ضمانة غير مباشرة لاستمرار النظام، إذ تخشى القوى الدولية والإقليمية من سيناريو الفوضى.
العامل الثاني هو استمرار قدرة النظام على السيطرة الداخلية. رغم الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات، ما زالت أجهزة الدولة، الأمنية والعسكرية، متماسكة وقادرة على فرض النظام. هذه القدرة على القمع والسيطرة تمنح النظام هامشاً واسعاً للاستمرار حتى في ظل الأزمات.
أما العامل الثالث فهو البُعد الاقتصادي والجيوسياسي، حيث تمكنت إيران من الحفاظ على جزءٍ من صادراتها النفطية، مستفيدة من علاقاتها مع روسيا والصين. هذا الدعم لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى غطاء سياسي يُخفِّف من وطأة الضغوط الدولية.
من ناحية العقلية السياسية، لا يبدو أن النظام سيتجه نحو الاعتدال، بل على العكس، قد يُعزِّز من اعتماده على أدوات الردع غير التقليدية. الحرب أكدت له أن المواجهة المباشرة مكلفة، لكنه في الوقت نفسه أثبت قدرته على الصمود، ما قد يدفعه إلى تبنّي استراتيجية مزدوجة تجمع بين التفاوض من جهة، والاستمرار في بناء أدوات القوة غير المباشرة من جهة أخرى.
○ ما السيناريوهات الواقعية للتوصل إلى اتفاق شامل بين ما تبقى من النظام الإيراني وأمريكا؟
• الدافع نحو اتفاق شامل لا ينبع فقط من الرغبة في إنهاء الحرب، بل أيضاً من الحاجة السياسية لكل من الولايات المتحدة وإيران لإظهار إنجاز. إدارة الرئيس ترامب، على وجه الخصوص، تحتاج إلى تقديم نتيجة ملموسة تُبرِّر كلفة الحرب، ما يجعلها أكثر استعداداً للدفع نحو اتفاق واسع النطاق.
السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في اتفاق يتضمن إعادة ضبط البرنامج النووي الإيراني، بحيث يتم خفض مستويات التخصيب ووضعها تحت رقابة دولية صارمة. في المقابل، ستحصل إيران على رفع تدريجي للعقوبات، ما يسمح لها بإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي. كما قد يشمل الاتفاق ترتيبات أمنية تتعلق بضمان حرية الملاحة في الخليج، خصوصاً في مضيق هرمز.
لكن التحدّي الأكبر يكمن في القضايا غير النووية، مثل البرنامج الصاروخي ودعم الجماعات الحليفة في المنطقة. هذه الملفات تمثل عناصر أساسية في استراتيجية إيران الإقليمية، ومن غير المرجح أن تتخلى عنها بسهولة. لذلك، قد يتم تأجيلها أو التعامل معها بشكل غير مباشر.
بالتالي، حتى في حال التوصل إلى اتفاق شامل، سيبقى هناك شك كبير حول مدى التزام إيران به، خاصة إذا شعرت أن الظروف الإقليمية أو الدولية تسمح لها بإعادة بناء قدراتها. الاتفاق، في هذه الحالة، سيكون أكثر شبهاً بإدارة للصراع منه بحل نهائي له.
○ سنكون أمام نسخة معدّلة من الاتفاق النووي السابق أم نموذج جديد بالكامل يشمل النووي والبرنامج الصاروخي والأذرع في المنطقة؟
• من المرجح أن يكون الاتفاق القادم مزيجاً بين إعادة إحياء الاتفاق النووي السابق وتوسيعه ليشمل عناصر إضافية. بمعنى آخر، نحن أمام نسخة معدَّلة، وليست اتفاقاً جديداً بالكامل. هذا الخيار يعكس الواقعية السياسية، حيث إن بناء إطار جديد بالكامل قد يكون معقداً ويستغرق وقتاً طويلاً، بينما يوفر الاتفاق السابق أساساً يمكن البناء عليه.
التعديل قد يشمل تشديد آليات الرقابة، وتوسيع نطاق القيود على التخصيب، إضافة إلى إدخال بنود تتعلق بالسلوك الإقليمي لإيران. لكن هذه البنود الأخيرة ستكون على الأرجح فضفاضة، نظراً لصعوبة التحقق منها.
المشكلة الأساسية تكمن في فجوة الثقة. التجربة السابقة أظهرت أن إيران قد تلتزم شكلياً بالاتفاق، لكنها تستمر في تطوير أدواتها بشكل غير مباشر. لذلك، حتى مع وجود اتفاق جديد أو معدل، ستبقى الشكوك قائمة حول مدى فعاليته على المدى الطويل.
○ تلقت دول الخليج الكم الأكبر من الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية؟ ما هي الاستراتيجية الإيرانية من وراء ذلك؟
• استهداف دول الخليج لم يكن عملاً عشوائياً، بل جزءاً من استراتيجية مدروسة تهدف إلى توسيع نطاق الصراع ورفع كلفته. الرسالة الأساسية التي أرادت إيران إيصالها هي أن أمنها لا يمكن عزله عن أمن المنطقة، وأن أي محاولة لاستهدافها ستنعكس مباشرة على استقرار الدول المجاورة، خصوصاً تلك التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة.
من خلال استهداف منشآت النفط والبنية التحتية، سعت إيران إلى ضرب نقطة الضعف الأساسية لدول الخليج، وهي الاقتصاد الريعي المعتمد على الطاقة. كما أن هذه الهجمات أظهرت محدودية أنظمة الدفاع الجوي، حتى تلك المدعومة من الولايات المتحدة، ما أضعف الثقة في المظلة الأمنية الغربية. محدودية أنظمة الدفاع لا يعني فشلها الكامل، بل يُشير إلى أنها محدودة الفعالية أمام هجمات كثيفة ومنسقة، وأن كلفتها العالية مقابل كل عملية اعتراض، مقارنة بكلفة الصواريخ أو المسيّرات المهاجمة، تخلق معادلة استنزاف غير متكافئة.
في الوقت نفسه، هدفت هذه الاستراتيجية إلى دفع دول الخليج للضغط على الولايات المتحدة من أجل إنهاء الحرب، من خلال خلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي. هذا الأسلوب يعكس اعتماد إيران على الحرب غير المباشرة كوسيلة لتعويض تفوُّق خصومها العسكري.
○ يشكَّل مضيق هرمز أحد أوراق القوة في يد إيران عبر السيطرة عليه وإغلاقه ومن ثم فرض قيود وفرض رسوم؟ هل ستكرِّس الحرب – كما الاتفاق – هذه الورقة الحيوية في الطاقة والاقتصاد العالمي بيدها؟
• الحرب عزَّزت من أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بيد إيران. هذا المضيق، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، أصبح أداة فعَّالة يمكن من خلالها التأثير على الاقتصاد العالمي.
إيران أثبتت أنها قادرة على تعطيل الملاحة أو على الأقل تهديدها، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. هذا الوضع يمنحها نفوذاً غير مباشر على أسعار النفط، وبالتالي على الاقتصاد العالمي. في المستقبل، قد تسعى إيران إلى استخدام هذه الورقة بشكل أكثر تنظيماً، سواء من خلال فرض قيود أو عبر التأثير على تدفقات الطاقة. وقد يدفع هذا التطوُّر الدول الكبرى إلى البحث عن بدائل، مثل تنويع مصادر الطاقة أو تطوير طرق نقل جديدة، لكنه في الوقت نفسه يمنح إيران موقعاً تفاوضياً أقوى.
○ برأيك، سنكون أمام تقليص نفوذ إيران أم إعادة إنتاجه بصيغة مختلفة؟
• الحديث عن تراجع نفوذ إيران بعد الحرب صحيح جزئياً فقط إذا تم قياسه بالمؤشرات التقليدية للقوة، مثل القدرات العسكرية المباشرة أو مستوى السيطرة الميدانية في بعض الساحات. فقد تعرَّضت إيران لضربات موجعة استهدفت بنيتها العسكرية وقياداتها، ما أدى إلى إضعاف قدرتها على إدارة العمليات التقليدية بنفس الكفاءة السابقة. لكن هذا التراجع لا يعني نهاية النفوذ الإيراني، بل يُشير إلى تحوُّل في طبيعته وأدواته.
إيران تاريخياً لم تعتمد على القوة الصلبة فقط، بل بنت نفوذها على مزيج من الأدوات غير المباشرة، مثل الشبكات الإقليمية والقدرة على التأثير في الأمن البحري والطاقة. بعد الحرب، يبدو أن طهران تتجه نحو تعزيز هذا النموذج، حيث أصبح لديها حافز أكبر لتجنب المواجهة المباشرة مع قوى متفوقة عسكرياً، والتركيز بدلاً من ذلك على أدوات الضغط غير المتناظرة.
أحد أبرز هذه التحولات هو تعاظم أهمية دورها في التحكم غير المباشر بالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، حيث لم تعد القوة الإيرانية تُقاس فقط بما تمتلكه من صواريخ، بل بما تستطيع تعطيله أو تهديده من تدفقات الطاقة العالمية. كما أن اعتمادها على حلفائها الإقليميين لم يتراجع، بل قد يتخذ أشكالاً أكثر مرونة وأقل انكشافاً.
بالتالي، نحن أمام حالة إعادة إنتاج للنفوذ الإيراني بصيغة أكثر تكيّفاً مع البيئة الجديدة، حيث تتحوَّل من قوة إقليمية تسعى إلى التمدد المباشر، إلى لاعب قادر على تعطيل النظام الإقليمي وفرض كلفة عالية على خصومه دون الحاجة إلى السيطرة الكاملة.
○ كيف ستكون نتائج الحرب على ميزان القوى في الشرق الأوسط؟ وهل من إعادة رسم لمحاور التحالفات في المنطقة؟ على حساب مَنْ؟ مَن الرابح ومَن الخاسر؟
• الحرب أعادت تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، لكنها لم تفرز نظاماً جديداً مستقراً، بل خلقت حالة من الاختلال المركّب. الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، أثبتت مرة أخرى تفوقها العسكري وقدرتها على توجيه ضربات دقيقة ومؤثرة، لكنها في المقابل أظهرت حدود هذه القوة عندما لا تكون مدعومة باستراتيجية سياسية واضحة أو ببدائل واقعية لما بعد الحرب.
إيران، رغم الخسائر، خرجت من الحرب وهي لا تزال قادرة على التأثير، بل ونجحت في فرض معادلة مفادها أن إسقاطها ليس خياراً سهلاً أو قليل الكلفة. هذا بحد ذاته يُعيد تثبيت موقعها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية. أما دول الخليج، فقد كانت من أبرز الخاسرين، ليس فقط بسبب تعرضها المباشر للهجمات، بل لأنها كشفت عن هشاشة نموذجها الأمني المعتمد بشكل كبير على الحماية الخارجية. هذه الدول باتت تواجه معادلة صعبة بين الاستمرار في الاعتماد على الغرب أو البحث عن بدائل.
في المقابل، برزت روسيا كأحد المستفيدين الرئيسيين، حيث أدى ارتفاع الطلب على الطاقة إلى تعزيز موقعها الاقتصادي والسياسي، فيما عززت الصين حضورها كقوة داعمة للنظام الإيراني ومنافسة للنفوذ الأمريكي، فيما خرجت أوروبا بصورة ضعيفة، حيث بدت غير قادرة على حماية مصالحها أو التأثير في مسار الحرب، ما يعكس تراجع دورها الاستراتيجي في المنطقة.
○ ما أبرز السيناريوهات المحتملة لمستقبل الشرق الأوسط في ضوء هذه الحرب؟ هل نحن أمام بداية تحوُّل استراتيجي كبير في المنطقة؟
• المشهد الإقليمي بعد الحرب لا يتجه نحو استقرار، بل نحو مرحلة طويلة من التوازن الهش أو ما يمكن تسميته بـ«شلل القوة». لا يوجد طرف قادر على فرض هيمنة كاملة، ولا طرف مستعد للتراجع الكامل، ما يخلق بيئة تتسم بالتوتر المستمر والانفجارات المتقطعة.
السيناريو الأول، يتمثل في استمرار هذا الوضع، حيث تبقى المنطقة في حالة «لا حرب ولا سلم»، مع إدارة الصراع عبر تفاهمات جزئية. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب.
السيناريو الثاني، يتمثل في إعادة تشكيل التحالفات، حيث قد نشهد تعمقاً في محور إيران ـ روسيا ـ الصين مقابل تراجع الدور الأوروبي، ومحاولات خليجية لبناء توازنات جديدة.
أما السيناريو الثالث، فهو عودة التصعيد في حال فشل المفاوضات أو حدوث تغييرات سياسية داخلية في أحد الأطراف. هذا السيناريو يبقى قائماً، لكنه مُكلف للجميع.
بشكل عام، يمكن القول إن المنطقة تدخل مرحلة تحوُّل استراتيجي عميق، حيث لم يعد النظام الإقليمي القديم قائماً، ولم يتشكل بعد نظام جديد واضح المعالم.
○ لننتقل إلى لبنان، كيف قرأت بقاء لبنان خارج إطار وقف إطلاق النار؟ وما دلالات استمرار العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل ضد «حزب الله»؟
• بقاء لبنان خارج إطار وقف إطلاق النار ليس تفصيلاً عسكرياً، بل يحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة. إسرائيل ترى أن أي اتفاق مع إيران لا يُعالج التهديد المباشر على حدودها الشمالية يبقى ناقصاً، ولذلك تسعى إلى استمرار الضغط على «حزب الله» حتى في ظل التهدئة العامة.
هذا السلوك يعكس رغبة إسرائيل في لعب دور «المفسد» أو «الموازن» لأي اتفاق لا يحقق مصالحها الأمنية بالكامل. فهي تدرك أن بقاء «حزب الله» كقوة عسكرية فاعلة يعني استمرار التهديد، بغض النظر عن أي تفاهمات مع طهران.
من جهة أخرى، تسعى إسرائيل إلى تفكيك الجبهة الإيرانية عبر ضرب إحدى أهم حلقاتها، أي لبنان، بهدف تقليص العمق الاستراتيجي لإيران. هذا يعني أن الساحة اللبنانية قد تتحوَّل إلى ساحة صراع منفصلة نسبياً عن المسار الأمريكي-الإيراني، لكنها مرتبطة به بشكل غير مباشر.
○ طرح رئيس الجمهورية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وبالأمس وافقت إسرائيل على الجلوس مع لبنان وقالت إن هدفها هو نزع سلاح «حزب الله» والتوصل إلى اتفاقية سلام. ما هو أكيد أن المفاوضات ستكون في واشنطن برعاية أمريكية على مستوى دبلوماسي والموعد المبدئي هو الثلاثاء المقبل؟ ما المتوقع عملياً من هذه المفاوضات؟ وما مدى ارتباطها بمحادثات إسلام أباد بين إيران وأمريكا؟
• ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، بل يجب قراءته كجزء من إعادة ترتيب شاملة لملفات الصراع في المنطقة. من هذا المنطلق، ترى إسرائيل في طرح المفاوضات المباشرة مع لبنان فرصة استراتيجية نادرة، ليس فقط لتحقيق اختراق دبلوماسي، بل أساساً لإطلاق مسار تدريجي نحو نزع سلاح «حزب الله».
عملياً، ما يمكن توقعه من هذه المفاوضات في واشنطن هو البدء بملفات تقنية وأمنية محدودة، مثل تثبيت قواعد الاشتباك، تعزيز دور الجيش اللبناني جنوباً، وربما إدخال آليات رقابة دولية أكثر صرامة. لكن الهدف الحقيقي لإسرائيل يتجاوز هذه العناوين المباشرة، إذ تسعى إلى نقل ملف «حزب الله» من كونه قضية صراع إقليمي إلى قضية داخلية لبنانية. بمعنى آخر، تريد إسرائيل أن يتحول سلاح «الحزب» إلى موضع نزاع داخلي، وليس فقط موضع مواجهة مع الخارج.
هذا التحوُّل بالغ الأهمية، لأنه يخلق زخماً داخلياً لبنانياً ضد «حزب الله»، خاصة في ظل التدهور الاقتصادي والضغوط السياسية، ويضع «الحزب» في موقع الدفاع أمام شرائح لبنانية متزايدة ترى في سلاحه عبئاً على الدولة. وفي الوقت نفسه، يؤدي هذا المسار إلى رفع كلفة الدعم الإيراني لـ«الحزب»، سواء لوجستياً أو سياسياً، حيث يصبح إيصال الدعم أكثر تعقيداً في ظل الرقابة الدولية والضغط الداخلي.
أما بالنسبة للارتباط مع المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، سواء في واشنطن أو في إسلام أباد، فهو ارتباط وثيق. فواشنطن تدرك أن أي اتفاق شامل مع طهران لن يكتمل من دون معالجة ملف الأذرع الإقليمية، وعلى رأسها «حزب الله». لذلك، فإن فتح مسار تفاوضي لبناني-إسرائيلي يهدف عملياً إلى إضعاف ورقة «حزب الله» قبل إدخالها إلى طاولة التفاوض الكبرى.
بعبارة أوضح، إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إلى خلق واقع جديد يجعل من استمرار دعم «حزب الله» مكلفاً وغير مستدام لإيران، ما قد يدفع طهران، في لحظة معينة، إلى تقديم تنازلات أو «بيع» هذا الملف ضمن صفقة إقليمية أوسع. وبالتالي، فإن هذه المفاوضات ليست معزولة، بل تشكل جزءاً من استراتيجية ضغط متعددة المستويات تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات في لبنان وربطها مباشرة بمسار التفاوض الأمريكي-الإيراني.
○ هل الحكومة اللبنانية قادرة علـى تنفيذ ما قد تلتزم به؟ هي قالت إن الجيش اللبناني أنجز مهمته بحصر السلاح بيده في جنوب الليطاني، ليظهر إخفاقه بعد انخراط «حزب الله» في حرب «الثأر لخامنئي»؟
• إخفاق الدولة اللبنانية في فرض احتكار السلاح، خاصة بعد إعلان نجاحها في جنوب الليطاني، يكشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والواقع. هذا الفشل سيؤدي إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، سواء داخلياً أو دولياً. وفي أي محاولة مستقبلية لنزع السلاح، سيكون من الضروري اعتماد مقاربة مختلفة، تقوم على إشراف دولي مباشر، وربما وجود قوات مراقبة تمتلك صلاحيات تنفيذية. كما أن إعادة هيكلة الجيش اللبناني ستكون شرطاً أساسياً، لضمان استقلاليته عن أي نفوذ سياسي أو حزبي. سيكون هذا المسار مُكلفاً سياسياً وأمنياً، لكنه قد يكون الخيار الوحيد لاستعادة الثقة الدولية والحصول على الدعم اللازم لإعادة بناء الدولة.
○ هل تتخوف من فوضى داخلية واقتتال أهلي؟ ولا سيما بعد رفع الحكومة الغطاء السياسي كلياً عن الجناح العسكري لحزب الله (المقاومة) واعتباره تنظيما مسلحاً خارج القانون؟
• لبنان يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية. الحكومة اللبنانية قد ترى، في هذه اللحظة، فرصة تاريخية لإعادة فرض سلطة الدولة، خصوصاً في ظل انشغال «حزب الله» في المواجهة مع إسرائيل وتراجع قدراته.
رفع الغطاء السياسي عن الجناح العسكري لـ«حزب الله» يُشير إلى محاولة لإعادة تعريف التوازنات الداخلية، لكن هذه الخطوة تحمل مخاطر كبيرة. فـ»الحزب»، رغم ضعفه النسبي، ما زال يمتلك قاعدة شعبية وسلاحاً مؤثراً، ما يجعل أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة محفوفة باحتمالات التصعيد.
في المقابل، قد يسعى «حزب الله» إلى تجنّب مواجهة داخلية، خاصة إذا شعر أن البيئة الإقليمية لا تسمح له بخوض صراعين في آن واحد. هذا قد يفتح الباب أمام تسويات داخلية، تقوم على تقاسم النفوذ أو إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة.
بالتالي، احتمال الفوضى أو الاقتتال الأهلي قائم، لكنه ليس حتمياً، حيث قد تفرض موازين القوى نوعاً من التهدئة القسرية.

The post الشرق الأوسط يدخل مرحلة "شلل القوة" بلا نظام واضح… ونفوذ طهران تغيَّر شكله appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤