كتب أكرم بزي - كاتب وباحث سياسي
تتقاطر التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وفق رؤية استراتيجية أميركية إسرائيلية تهدف إلى إدخال المنطقة في أتون صراعات وحروب بينية واستنزافية متواصلة، يطغى عليها البعد العرقي والمذهبي والإقليمي، بما يفكك القوى المركزية الإقليمية ويحُولُ دون تشكُل أيّ تكتل عربي أو إسلامي قادر على فرض توازن ردع حقيقي. يستند هذا المخطط إلى نقل ثقل المواجهة من الصراع المباشر مع الاحتلال إلى حروب الوكالة والداخل المتشابك، لتنصيب إسرائيل قوة هيمنة مطلقة ومركزاً أمنياً واقتصادياً يقود الإقليم، بينما تتكفل النزاعات البينية بإنهاك مجتمعاته وإشغالها بنفسها عن مواجهة خطط السيطرة والتوسع.
تتجه منطقة الشرق الأوسط، ومعها خريطة التوازنات الدولية، نحو مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية والمناورات العسكرية لإعادة رسم نفوذ القوى الإقليمية والدولية. فمنذ عام 2016، شجّعت المخططات الأميركية القوى الإقليمية كالسعودية وتركيا على تولّي مواجهة نفوذ المجموعات المسلحة المرتبطة بإيران، وتحديداً في اليمن وسوريا. لكن الاستراتيجية الأميركية شهدت تحولاً ملموساً مع اندلاع المواجهة المباشرة مع طهران، حيث أضحت واشنطن تطالب دول الخليج وتركيا بصد إيران كدولة بشكل مباشر، مستخدمة أوراق ضغط متعددة أمام تحفظ هذه الدول عن الانخراط المباشر.
إن الامتناع الإقليمي عن خوض حرب مباشرة ضد طهران لا يعود إلى اعتبارات النفوذ فحسب، بل يتجاوزه إلى إدراكٍ إقليمي بأن الحشد العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة يهدف كذلك إلى تمكين إسرائيل من فرض سيطرتها الكاملة على الشرق الأوسط. وأمام هذا الواقع، اتجهت الرياض وأنقرة إلى تفاهمات وتحالفات تهدف إلى تخفيف الضغوط الأميركية وتفادي حرب شاملة تُضعف جميع الأطراف الإقليمية وتصُب في مصلحة تل أبيب، مما دفع الإدارة الأميركية إلى استخدام ورقة القوى الانفصالية في سوريا واليمن كأداة ضغط سياسي وأمني.
وفي سياق متصل، تتصاعد الاستهدافات التي تطال الممرات الاقتصادية والتجارية البديلة التي تسعى السعودية ودول المنطقة لإنشائها لتفادي اضطرابات الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب. وتشمل هذه المسارات المحاصرة خطوطاً بديلة عبر ميناء نيوم باتجاه ميناء دمياط المصري، وخطوطاً محتملة عبر سلطنة عمان، إضافة إلى المسارات البرية عبر الأراضي السورية باتجاه أوروبا بدلاً من الخطوط المقترحة عبر إسرائيل. وجاء القصف الإسرائيلي للقواعد والمطارات العسكرية في شمالي سوريا ليقطع الطريق على أمن هذه المنافذ البرية، موجهاً في الوقت ذاته رسائل ضغط متزامنة على المحور السني للقبول بالإملاءات الراهنة.
لا تنفصل هذه السياسة عن النهج الذي تعتمده الولايات المتحدة في إدارتها مع حلفائها في شرقي آسيا، حيث تعتمد أسلوب الضغط المكثف لإبقاء الشركاء تحت مظلتها، مثلما ظهر في تجميد المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية ومحاولة التقارب التكتيكي مع كوريا الشمالية. أما على الساحة الأوروبية، فتتزايد حدة الاستقطاب بين تحالف الغرب وتحالف الشرق المتمثل بروسيا، مع استمرار تدفق الإمدادات العسكرية واستنفاد خيارات السلام، وسط تحذيرات متصاعدة تقرأها أوساط صحفية مثل "موسكو تايمز" وغيرها من المصادر الروسية حول مخاطر الانزلاق نحو مواجهة شاملة بين القوى النووية الكبرى.



