بقلم: عامر أبو عرفة
[*] أسير سابق وصحفي
لا يسرق السجن حرية الإنسان فحسب، بل يمدّ يده إلى الزمن نفسه، فينتزعه من جذوره كما تُقتلع شجرة من تربتها.
حين يُعتقل شاب في مقتبل العشرين، يُغلق عليه بابٌ صغير، لكن يُفتح في المقابل بابٌ واسع على غيابٍ طويل، يخرج بعد سنوات طويلة، فيجد أن العالم الذي تركه قد تبدّل كأنه صفحة طُويت من كتاب قديم؛ الشوارع التي كانت تحفظ خطاه صارت غريبة، والوجوه التي كانت مألوفة غطّاها الشيب، والأطفال الذين كان يرفعهم على كتفيه صاروا رجالًا يحملون أبناءهم، أما التكنولوجيا التي كانت يومًا ضربًا من الخيال فقد صارت هواءً يوميًا يتنفسه الناس دون تفكير.
داخل السجن، يتجمّد الزمن كأنه ماء في صقيعٍ قاسٍ، يتوقف عند لحظة الاعتقال ولا يتجاوزها، أما خارجه فيجري كالسهم، لا يلتفت إلى الوراء، ولا ينتظر أحدًا.
ولهذا، فإن أخطر ما يصنعه السجن ليس الحديد الذي يحيط بالجسد، ولا الجدران التي تعزل الصوت، بل تلك الهوة الزمنية السحيقة التي تتسع بين الأسير والعالم، حتى يغدو كمن يعيش في قارة منفصلة عن الحياة.
الأسير لا يُسلب سنوات عمره فحسب، بل تُنتزع منه القدرة على أن يعيشها أصلًا، كأن الزمن يُمحى من دفتره قبل أن يُكتب.
يفقد جنازة والده التي كان يجب أن يكون كتفه سندًا لها، وابتسامة أمه الأخيرة التي لم تُمهله الظروف لوداعها، وزفاف أخيه الذي مرّ كحلمٍ لم يكتمل، وولادة أبنائه التي تحولت إلى حكايات تُروى له من خلف الزجاج، وتخرجهم الذي صار صورة معلّقة على جدار الغياب، وأعيادهم التي تمرّ بلا حضوره، وحتى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها الإنسان إلا حين تُنتزع منه كالماء من بين الأصابع.
داخل الزنزانة، لا تتبدل الأيام بل تتناسخ؛ كأنها نسخ متطابقة من ظلّ واحد، الصباح لا يختلف عن المساء، والاثنين لا يميّز نفسه عن الجمعة، والشهر لا يحمل ملامح جديدة عن العام.
الزمن هناك دائرة مغلقة، تدور حول نفسها بلا بداية ولا نهاية.
يمر الوقت على الأسير ببطءٍ يثقل الروح، كأنه حجر يُدحرج في ممر طويل لا آخر له، بينما يمر على من ينتظرونه في الخارج كريحٍ عابرة لا تلتفت إلى أحد.
وحين يُفتح الباب أخيرًا.. لا يعود الأسير إلى حياته كما تركها، بل يجد نفسه أمام عالمٍ جديد بالكامل، كأنه وُلد من جديد في زمن لا يعرفه، يحتاج أن يتعلم أبجديات الحياة من الصفر:
كيف يُمسك هاتفًا لم يعد يشبه ما عرفه؟
كيف يتعامل مع خدمات إلكترونية تتغير أسرع من ذاكرته؟
كيف يقود سيارة أصبحت تقنياتها أقرب إلى آلة ذكية منها إلى وسيلة نقل؟
كيف يبني علاقة مع أبناء صاروا رجالًا ونساءً بينما هو ما زال يحمل صورتهم أطفالًا في قلبه؟
وكيف يصالح نفسه مع حقيقة أن سنوات عمره لم تكن فراغًا، بل حياة كاملة عاشها الآخرون بدونه، كأنه كان غائبًا عن مشهدٍ لم يتوقف لحظة؟
إن الاحتلال لا يكتفي باحتجاز الأجساد خلف القضبان، بل يمدّ سلطته إلى ما هو أعمق: يحتجز الأعمار، ويعيد تشكيل الزمن ليصبح جزءًا من العقوبة، لا مجرد إطار لها.
ولهذا، فإن قياس معاناة الأسرى بعدد سنوات الاعتقال وحده يبدو كمن يقيس البحر بقطرة ماء؛ فالسنة هناك ليست رقمًا، بل وعاء ممتلئ بالفقد: أحلام لم تُولد، وفرص لم تُمنح، وذكريات لم تُعش، وحياة كاملة سُرقت في صمت.
ربما يستطيع الأسير أن يستعيد حريته يومًا ما، وأن يخطو خارج الجدران مرفوع الرأس.
لكن لا أحد، مهما امتلك من قوة، يستطيع أن يعيد إليه الزمن الذي انكسر خلف القضبان، أو أن يرمم الساعات التي تكسرت في غيابه.
وهنا تكمن أقسى صور الأسر… أن يخرج الإنسان من السجن وهو يحمل حريته بين يديه، لكنه يظل طوال عمره يبحث في الفراغ عن سنواته التي بقيت هناك، معلّقة على جدران لا تنسى.
The post السجن الذي يسرق المستقبل.. كيف يخرج الأسير غريباً عن الزمن؟ appeared first on السبيل.




