- ضرورة ربط كافة المحافظ بموازنات خضراء وتقييم أثرها البيئي؛
- إفصاح رقمي دوري جيد عن الموجودات؛
- العائد الاستثماري الحقيقي هو النواة الصلبة للاستدامة؛
- لم يقل لنا التقرير كيف سيواجه الصندوق العام 2038 الحرِج إكتوارياً؟
- غياب مشروع "السكن الاجتماعي" وحضور "سُلف المتقاعدين؛
- تحوّل ملموس نحو الاقتصاد الأخضر في مجال الطاقة.
- تقتضي الاستدامة تحريك الأصول الراكدة كالعقارات؛
- ضرورة اعتماد معايير مهنية لتعيين ممثلي "الصندوق" في مجالس الشركات؛
- كبح جماح الرواتب الخيالية في الشركات وضمان عدالة مسؤوليتها الاجتماعية؛
- تقرير مقدّر ومسؤول بحجم الثقة والمسؤولية لادّخارات العمال؛
يُمثّل تقرير الاستدامة التاسع (لسنة 2025) لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي محطة لرصد مدى التزام الصندوق بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمية ومدى انسجام سياسته الاستثمارية مع الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى لمؤسسة الضمان، وأهداف التنمية المستدامة، إضافة إلى الالتزام بأخلاقيات الاستثمار القيمي الإنساني المتوافقة مع قيمنا الحضارية والدينية.
وفي قراءة سريعة، يمكن تسليط الضوء على المحاور الرئيسية لمفهوم الاستدامة في أداء الصندوق، مع إبراز بعض المؤشرات الرقمية ذات الصلة ومدى شموليتها:
أولاً: العائد الاستثماري واستدامة النظام التأميني:
١- كفاية العائد المتحقق: يُعد العائد الاستثماري النواة الصلبة لمفهوم الاستدامة ككل. ورغم تحقق عوائد اسمية إيجابية، إلا أن المحك الحقيقي يكمن في مدى كفاية العائد الحقيقي (بعد خصم التضخم) لمواجهة الالتزامات التأمينية المستقبليّة والمتنامية لمؤسسة الضمان بحسب الدراسات الإكتوارية. إن تحقيق معدلات عائد تعادل أو تتجاوز افتراضات الدراسة الإكتوارية يُشكل الشرط الأهم لمنع وقوع أي عجز مالي في النظام التأميني على المدى البعيد، ما يعد من أهم التحديات التي تُقيّم مدى نجاح الصندوق في تحقيق الاستدامة في جوهرها الأساس.
٢- عطفاً على النقطة السابقة، لم يقل لنا التقرير كيف سيواجه الصندوق العام 2038 الحرِج إكتوارياً، وما أدواته الاستثمارية الأكثر قدرة على الصمود والأكثر فاعلية في إبعاد نقطة التعادل الثانية والثالثة.
٣- اتسم التقرير بإفصاح رقمي جيد مالياً؛ حيث ارتفعت موجودات الصندوق بنهاية عام 2025 إلى نحو 18.6 مليار دينار أردني، بنمو بلغ 2.4 مليار دينار، وحقق الصندوق دخلاً شاملاً بحدود 2.2 مليار دينار، مع ارتفاع معدل العائد الاستثماري "العام" إلى 12.2%. مع الإشارة إلى تحقيق نمو مضطرد في الموجودات خلال الستة أشهر الأولى من العام الجاري لتصل إلى 19.7مليار دينار كما في 30-6-2026. ومع ذلك لا تزال محفظة السندات تستحوذ على 57% من الموجودات ما يُعرّض الصندوق لحساسية الدين العام الحكومي.
ثانياً: البُعد البيئي والتحول نحو الاقتصاد الأخضر: شهد الأداء الاستثماري للصندوق توسعاً ملموساً في مشاريع الطاقة المتجددة لتقليل الانبعاثات الكربونية وخفض كلف الطاقة. غير أن المطلوب يستدعي ربط كافة المحافظ الاستثمارية بموازنات خضراء واشتراط تقييم الأثر البيئي كشرط إلزامي مسبق لتمويل أي مشروع جديد.
ومن المؤشرات والأرقام المعروضة في هذا الجانب، عرض أرقام القدرة التوليدية لمحطات الطاقة الشمسية الثلاث التابعة للصندوق، مع إبراز قياس الأثر البيئي من خلال حجم الخفض الكلي في الانبعاثات الكربونية، وحجم الوفر المالي في كلف الطاقة لفروع الضمان والشركات التابعة والمنشآت السياحية المملوكة للصندوق كالفنادق.
ثالثاً: الحماية الاجتماعية؛ السكن، وسُلف المتقاعدين:
١- دعم المتقاعدين عبر السُّلف: يُسهم تخصيص موازنة لتقديم السلف لمتقاعدي الضمان في تقديم شبكة أمان اجتماعي تخفف الأعباء المعيشية، شريطة أن تُدار بفائدة/عائد عادل وميسر يوازن بين البُعد الاجتماعي وحفظ القيمة الحقيقية لأموال الضمان، وقد أظهر التقرير استمرار التوسع في ضخ عشرات الملايين سنوياً ضمن محفظة السُّلف الشخصية لمتقاعدي الضمان.
٢- غياب دور الصندوق في "السكن الاجتماعي": يُسجَّل على التقرير والأداء الاستثماري غياب التوجه نحو مشاريع السكن الاجتماعي (Social Housing) الموجّهة لذوي الدخل المحدود والمتوسط من المشتركين والمتقاعدين. إن الاستثمار في المجمعات السكنية الاقتصادية بأسعار وأقساط ميسرة يمثل فرصة استثمارية آمنة ومدرة للعائد، فضلاً عن كونه واجباً وطنياً يغطي ثغرة اجتماعية ملحة.
الأرقام المعروضة: غياب كامل للأرقام والمؤشرات في هذا الملف لعدم وجود مشاريع منفذة أو مخصصة لهذا القطاع.
رابعاً: بيئة العمل، السلامة، وعدالة الأجور:
١- دعم السلامة والصحة المهنية: ينبغي ألا يقتصر دور الصندوق على التزام مساهماته بالتشريعات، بل فرض تدقيق دائم لبيئات العمل في الشركات التابعة والمُساهم بها؛ باعتبار خفض حوادث العمل استدامة بشرية واقتصادية مباشرة للمؤسسة.
٢- عدالة الأجور وكبح جماح الرواتب الخيالية: تتطلب الحوكمة الرشيدة ضبط وتحديد سقوف للمكافآت والرواتب المرتفعة لكبار التنفيذيين في الشركات التي يساهم فيها الضمان لتضييق الفجوة مع الأجور الدنيا، وهذا ما لا نجد أي دور للصندوق فيه حالياً.
٣- خلق فرص العمل والعمل اللائق: تتجلى الاستدامة التنموية في مدى قدرة مشاريع الصندوق (خاصة الزراعية والسياحية) على توليد فرص عمل دائمة للشباب الأردني بشروط عمل لائق.
وفيما يتعلق بالمؤشرات والأرقام المعروضة ضمن هذا المحور، جاء الطرح في هذه سردياً وإجرائياً في معظمه (كالحديث عن تبني السياسات والوصاية بالسلامة) مع غياب مؤشرات قياس كمية (KPIs) تفصيلية تبيّن الفجوة بين الأجور، أو أرقام المنشآت التي تم التدقيق على التزامها بمعايير السلامة وبيئة العمل اللائقة.
خامساً: الحوكمة، إدارة الأصول، والشفافية،
وتوجيه المسؤولية المجتمعية بعدالة:
إذ تتطلب الاستدامة هنا:
١- إعادة توجيه موازنات المسؤولية المجتمعية للشركات المُساهم فيها نحو المحافظات والفئات الأكثر حاجة، والتركيز على التنمية المستدامة بدلاً من التبرعات الاستعراضية لبعضها.
٢- الشفافية والاستغلال الأمثل للأصول: تقتضي الاستدامة تشغيل الأصول غير المستغلة (ولا سيما الأراضي والعقارات الراكدة) لمنع كلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost). ورغم نشر التقرير، إلا أن تعزيز الإفصاح الاستباقي حول مخاطر المحافظ، وهو ما يفتقده الصندوق، يرفع الثقة المجتمعية.
٣- معايير تعيين ممثلي الضمان في مجالس الإدارات: ويُشكل هذا الملف حجر الزاوية في الحوكمة؛ مما يستوجب اعتماد معايير مهنية واضحة وشفافة قائمة على الكفاءة والتنافسية، والابتعاد التام عن التنفيعات أو المحاصصات، مع تفعيل المساءلة والتقييم الدوري بكل مضامينه. وقد أورد التقرير أرقاماً حول عدد المقاعد التي يشغلها ممثلو الضمان في مجالس إدارات الشركات، ونسب التحول الرقمي والأمن السيبراني، وساعات التدريب للكوادر، لكنه خلا من مؤشرات كمية حول توزيع مبالغ المسؤولية المجتمعية جغرافياً أو تقييم رقمي محدد لأداء الممثلين.
لا شك بأن تقرير الاستدامة التاسع (2025) لصندوق استثمار أموال الضمان قدم صورة رقمية جيدة ومطمئنة فيما يتعلق بالاستدامة المالية والنمو الاستثماري المحقق. إلا أنه يظل بحاجة إلى الارتقاء بمؤشرات الاستدامة غير المالية (البيئية والاجتماعية والحوكمية) عبر تحويلها من أطر وسياسات سردية إلى مستهدفات رقمية ومؤشرات أداء كمّية (KPIs) تقاس سنوياً، إلى جانب تفعيل دور الصندوق التنفيذي في ملفات حيوية غائبة كالسكن الاجتماعي وعدالة سقف الأجور.
وفي كل الأحوال هو تقرير مقدّر ومسؤول بحجم الثقة والمسؤولية لادّخارات العمال ومستقبلهم.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية