تبحث السعودية وفرنسا توسيع شراكتهما الاستراتيجية عبر حزمة من الملفات تشمل الاستثمار والطاقة والنقل والدفاع والتقنية والثقافة، بالتزامن مع زيارة دولة يقوم بها ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وتستند الشراكة إلى قاعدة اقتصادية متنامية؛ إذ ارتفع حجم التجارة بين البلدين بنسبة 7.2% خلال عام 2025 ليصل إلى 11.8 مليار دولار، مقارنة بالعام السابق، فيما بلغت قيمة الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السعودية نحو 18.5 مليار دولار بنهاية عام 2024، لتصبح فرنسا ثالث أكبر مستثمر أجنبي في المملكة.
والمستفيد المباشر من هذا التوسع هو الشركات الفرنسية العاملة في الطاقة والنقل والتقنية، التي تجد في السعودية سوقاً لا تزال تستغل جزءاً محدوداً فقط من إمكاناتها. وتكتسب الزيارة زخماً إضافياً مع توقعات بتوقيع صفقات تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار بين جهات وشركات من البلدين، ما يعني أن حجم الاستثمارات المرتقبة يقارب حجم التبادل التجاري السنوي الحالي بين البلدين.
ولي العهد: مجالات متعددة للتعاون مع فرنسا
قال الأمير محمد بن سلمان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي، إن الشراكة السعودية الفرنسية مهمة جداً، مشيراً إلى وجود مشاريع تغيير وتجديد قوية في البلدين. وأوضح أن السعودية تستهدف استغلال 90% من الإمكانات المتبقية في قطاعات النفط والبتروكيماويات والغاز والطاقة والمعادن والنقل والتجارة والخصخصة والمحتوى المحلي والاستثمار.
وأشار إلى أن المصالح الاقتصادية بين البلدين تتقاطع في فتح المجال أمام الشركات الفرنسية للاستثمار والعمل في السعودية، معتبراً أن هذا التعاون يخلق وظائف في البلدين ويدعم النمو الاقتصادي والتبادل التجاري.
الطاقة والنقل: تنويع بعيداً عن المسارات التقليدية
تشمل المحادثات بين الزعيمين سبل تنويع مسارات نقل الطاقة والخدمات اللوجستية، بما في ذلك المسارات البحرية، إلى جانب مشروعات بديلة لخطوط الأنابيب والسكك الحديدية الإقليمية. يأتي هذا الملف في سياق مساعي السعودية لتطوير موقعها كمركز لوجستي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويحمل بعداً استثمارياً مباشراً لشركات النقل والبنية التحتية الفرنسية التي قد تشارك في تنفيذ هذه المشروعات.
وزارة المالية توقّع خط ائتمان بقيمة 5 مليارات دولار مع بي بي آي فرانس
وفي خطوة تحوّل جزءاً من الصفقات المرتقبة إلى التزامات ملموسة، وقّعت وزارة المالية السعودية بياناً مشتركاً مع "بي بي آي فرانس لضمان الصادرات" (Bpifrance Assurance Export) لتوفير خط ائتماني بقيمة أولية تصل إلى 5 مليارات دولار.
وسيُستخدم الخط الائتماني لتمويل وإعادة تمويل العقود القائمة والمستقبلية التي تنفذها الشركات الفرنسية في قطاعات البنية التحتية والتنمية العمرانية والنقل والرعاية الصحية، بما يدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030. ويأتي البيان في إطار "خارطة الطريق للعقد المقبل" التي وقّعتها السعودية وفرنسا في كانون الأول/ديسمبر 2024، ما يشير إلى أن الصفقات المرتقبة خلال الزيارة الحالية تُبنى على أساس تعاقدي سبق الإعلان عنه، لا مبادرات جديدة بالكامل.
الذكاء الاصطناعي والرياضة الالكترونية: قطاعات جديدة للنمو
لا تقتصر الشراكة على القطاعات التقليدية؛ إذ يمتد التعاون إلى الذكاء الاصطناعي والرياضة والرياضات الإلكترونية، وهي قطاعات تراهن عليها المملكة لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.
وتبرز الرياضات الإلكترونية بشكل خاص مع انتقال كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 من الرياض إلى باريس، بمشاركة أكثر من 2000 لاعب و200 ناد في 25 منافسة عبر 24 لعبة، فيما تجاوزت قيمة الجوائز 75 مليون دولار، وتخطت مبيعات التذاكر في باريس 150 ألف تذكرة مطلع آب/أغسطس.
وسجلت بطولة "PUBG Mobile" نحو 17.68 مليون ساعة مشاهدة خلال أسبوعها السادس، وهو أعلى مستوى لها خلال خمس سنوات، فيما تستهدف السعودية مساهمة قطاع الرياضات الإلكترونية بنحو 50 مليار ريال سعودي (13.3 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، إلى جانب تطوير أكثر من 30 لعبة تنافسية عالمياً داخل المملكة.
الدفاع والأمن: شراكة تتجاوز الاقتصاد
وأكد ولي العهد أهمية التنسيق السياسي والعسكري والاستخباراتي بين الرياض وباريس، مستنداً إلى الموقع الاستراتيجي للبلدين في الشرق الأوسط وأوروبا. وأشار إلى مبادرات دفاعية مشتركة، خصوصاً في منطقة الساحل، محذراً من مخاطر تمدد الإرهاب في دول تعاني ضعفاً اقتصادياً وأمنياً، وتداعيات ذلك على أوروبا والشرق الأوسط.
ويمتد التعاون أيضاً إلى الثقافة والسياحة، ضمن سعي السعودية بموجب رؤية 2030 إلى التحول إلى نقطة محورية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتبرز محافظة العلا نموذجاً لهذه الشراكة، مع استفادة المملكة من الخبرات الفرنسية في حماية الآثار وتطوير المواقع السياحية والتراثية.
تشير هذه الملفات مجتمعة إلى انتقال العلاقة السعودية الفرنسية من شراكة تجارية تقليدية إلى تحالف اقتصادي متعدد القطاعات يجمع الطاقة والنقل والدفاع والتقنية والرياضة والسياحة. وتمثل الاستثمارات الفرنسية القائمة، البالغة 18.5 مليار دولار، إلى جانب الصفقات المرتقبة التي تتجاوز 10 مليارات دولار، قاعدة لتوسيع هذا التعاون خلال المرحلة المقبلة.





