السعودية بين التهدئة وإعادة تشكيل المشهد.. من يفاوض باسم اليمن؟
تابع المقالة السعودية بين التهدئة وإعادة تشكيل المشهد.. من يفاوض باسم اليمن؟ على الحل نت.
في وقت تتحرك فيه المسارات العسكرية والسياسية في الملف اليمني بهدوء حذر، برزت جولة المشاورات التي احتضنتها العاصمة الأردنية عمّان، بين ممثلين عن التحالف بقيادة السعودية وجماعة “الحوثي” الموالية لطهران، كواحدة من أكثر المحطات حساسية منذ سنوات.
وكشفت منصة “ديفانس لاين” المتخصصة في الشؤون الدفاعية، عن زيارة وفد جماعة “الحوثي” المفاوض إلى الرياض الأسبوع الماضي، ضمن مساعِ لتحييد انخراط الجماعة في الحرب الإيرانية، وذلك قبيل اجتماع ثنائي في عمّان، جمع لجنة عسكرية سعودية وممثلين عن الجماعة “الحوثية”، في غياب لافت للحكومة اليمنية.
اللقاءات، التي جاءت برعاية مكتب المبعوث الأممي، وضمن إطار لجنة التنسيق العسكرية، ركّزت على خفض التصعيد وتعزيز التهدئة، في محاولة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ومنع أي انزلاق جديد نحو المواجهة.
لكن الأبرز في هذه الجولة، لم يكن مضمون النقاشات، بقدر ما كان الغياب الكامل للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، رغم كونها جزءاً من هذه اللجنة منذ تأسيسها في 2022.
غياب “الشرعية”.. مؤشر لا يمكن تجاهله
رسمياً، توصف الاجتماعات بأنها “فنية”، وامتداد لمسار سابق شاركت فيه مختلف الأطراف، لكن عملياً، غياب الحكومة عن لقاء يجمع طرفين عسكريين فاعلين على الأرض، يفتح الباب أمام تساؤلات حول موقعها في المعادلة الحالية.
هذا الغياب، وإن كان استثناء في هذه الجولة، منح جماعة “الحوثي” فرصة لاستثماره إعلامياً، حيث جرى تصوير اللقاء كأنه تفاوض مباشر مع السعودية، في محاولة لترسيخ صورة الجماعة كطرف مقابل للرياض، وليس كجزء من نزاع داخلي.
وفي هذا السياق، يرى الصحفي محمد الخامري، أن غياب الحكومة اليمنية عن مثل هذه اللقاءات، يشير إلى تراجع حضورها في مسار التفاوض، في وقت باتت تٌدار فيه الملفات الأكثر حساسية، بين الأطراف الفاعلة على الأرض.
“انتصار إعلامي” لا أكثر
تعامل جماعة “الحوثي” مع مخرجات هذا اللقاء، تؤكد إدراكاً لطبيعة المعركة القائمة، التي لم تعد تقتصر على ميدان الحرب فقط.

وبينما تحدث بيان المبعوث الأممي عن التزام “الأطراف” بالحوار، ركّز خطاب جماعة “الحوثي” على ثنائية “صنعاء – الرياض”، مع تجاهل بقية الفاعلين.
هذا الطرح منح جماعة “الحوثي” مساحة أكبر للمناورة السياسية، حتى وإن لم يغيّر من طبيعة الصراع على الأرض.
وفي مؤشر لافت على طريقة تعاطي الجماعة “الحوثية” إعلامياً مع هذه المشاورات، حذفت قناة المسيرة تقريراً كانت قد نشرته حول اللقاءات مع الوفد السعودي في عمّان برعاية أممية.
وكانت جماعة “الحوثي” قد أشارت في وقت سابق، إلى غياب الحكومة اليمنية عن هذه الجولة، ووصفتها بـ”مرتزقة العدوان”، في خطاب يشير إلى محاولة استثمار هذا الغياب سياسياً وإعلامياً.
الرواتب.. ملف مؤجل بثقل الانفجار
بعيداً عن المسار العسكري في اليمن، يبرز ملف الرواتب كأحد أكثر القضايا حساسية. ومع تحركات الحكومة لإعادة ضبط الإيرادات، وتوحيد كشوفات القوات، يتصاعد الجدل حول مستقبل هذا الملف، في ظل الانقسام القائم.
وفي مناطق سيطرة “الحوثيين”، غدت الرواتب أداة نفوذ تٌستخدم لضبط المجتمع، وربط الولاءات لصالح الجماعة.
وفي المقابل، تسعى الحكومة لإعادة تقديم نفسها كجهة قادرة على استعادة انتظام الصرف، لا سيما بعد كشف اختلالات واسعة في سجلات القوى البشرية.
هذا التباين جعل من الرواتب، ورقة ضغط حقيقية، قابلة لأن تكون مدخلاً للتهدئة، أو سبباً لتفجير جديد.
مسار عسكري بواجهة سياسية
رغم الضجيج المحيط بهذه اللقاءات، لا تبدو أنها نقطة تحول بقدر ما هي استمرار لمحاولات إدارة الصراع، فالتهدئة لا تزال هشة، والخروقات لم تتوقف، فيما تبقى ملفات مثل الأسرى والرواتب عالقة دون تقدم ملموس.
وفي تصريح خاص لـ”الحل نت”، يوضح الخبير السياسي عبد الستار الشميري، أن “خارطة الطريق، على المدى القريب، تظل أقرب إلى تصور نظري منها إلى مشروع قابل للتنفيذ”، موضحاً أنها “مرشحة للبقاء مؤجلة لسنوات، في ظل غياب شروط تطبيقها على الأرض”.
ويضيف الشميري بأن الرياض تتبنى سياسة “النفس الطويل”، وتراهن على عامل الوقت كجزء من إدارة الصراع، لكنه يشدد في المقابل على أن “هذا النهج لا يعني منح الحوثيين شرعية سياسية”.
ولا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن السياق الإقليمي، حيث يتأثر سلوك جماعة “الحوثي” بإيقاع التفاهمات غير المعلنة بين إيران وخصومها، فأي تهدئة في هذا المسار تنعكس مباشرة على الجبهة اليمنية، التي باتت جزءاً من شبكة هذه التوازنات.
وفي المقابل، تظل هذه التهدئة مؤقتة، وقابلة للتراجع مع أي تغير في المشهد الإقليمي.
ويؤكد الشميري، أن الملف اليمني سيبقى مؤجلاً إلى حين تغير المعطيات، مضيفاً أن “الموقف السعودي قد يتبدل عندما تتوفر بيئة مختلفة، ويكون الحوثي قد اٌستنزف بشكل كافِ”.
ويرى الخبير اليمني، أن هذا المسار في السياسة السعودية يؤكد وجود محاولات دؤوبة لتقليل كلفة الصراع، وترك الباب مفتوحاً أمام خيارات متعددة في المستقبل.
إدارة الصراع لا حسمه
تتبنى السعودية سياسة تقوم على احتواء الصراع وتقليل كلفته، وهو ما يفسر استمرار قنوات التواصل، دون أن يعني ذلك انتقالاً إلى تسوية شاملة.

وفي هذا السياق، يرى الصحفي أحمد الزرقة أن السعودية تراهن على مزيج من الحوافز السياسية والاقتصادية، إلى جانب قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة، لضبط سلوك جماعة “الحوثي” وتقليل كلفة التصعيد.
ويشير إلى أن المحادثات بين الجانبين، شملت ملفات الرواتب وفتح الموانئ والمطارات والأسرى وإعادة الإعمار، وهي ملفات تحمل طابعاً إنسانياً، لكنها تٌستخدم أيضاً كأدوات لخلق مصلحة لدى جماعة “الحوثي” في استمرار التهدئة.
ومع ذلك، يؤكد الزرقة أن حدود هذا الرهان تظل واضحة، في ظل صعوبة فصل “الحوثيين” عن ارتباطهم العميق بإيران، واعتمادهم المستمر على الدعم العسكري والتقني، ما يعني أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو احتواء التصعيد وضبط سلوك الجماعة تجاه السعودية، لا إحداث تحول جذري في موقعها ضمن التوازنات الإقليمية.
تحركات محدودة لـ”الشرعية”
في المقابل، تحاول الحكومة اليمنية تعزيز حضورها عبر مسارات داخلية، تشمل إصلاحات اقتصادية وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، بعد الكشف عن اختلالات كبيرة في بيانات القوى البشرية.
لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تنجح بعد في استعادة موقع مؤثر على طاولة التفاوض، التي باتت تحكمها موازين القوة، أكثر من الاعتبارات السياسية.
وفي موازاة ذلك، شهدت منصات التواصل تفاعلاً لافتاً من قبل ناشطين محسوبين على تيار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، حيث تصدّر وسم #الرياض_تمكن_الحوثي قائمة التداول على منصة “إكس“، في تعبير عن حالة قلق ورفض، تجاه مسار المشاورات الجارية.
وتباينت مواقف المتفاعلين بين التحذير من أي تفاهمات قد تمنح جماعة “الحوثي” مكاسب سياسية أو اقتصادية، وبين الدعوة إلى ضمان عدم تجاوز مصالح القوى المحلية، خصوصاً في ظل حساسية الملف الجنوبي وتعقيداته.
ويشير هذا التفاعل، إلى جانب آخر من التوتر داخل المشهد اليمني، حيث تلتقي الحسابات المحلية مع المسارات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه قضايا كبرى، مثل شكل الدولة ومستقبل التوازنات الداخلية، دون حسم واضح حتى الآن.
وتؤكد مشاورات عمّان، وجود مسار جديد لإعادة ترتيب المشهد اليمني، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة، بين تهدئة مؤقتة، وتسوية نهائية لا تزال بعيدة في نظر كثير من اليمنيين في ظل الوجود “الحوثي”.
- السعودية بين التهدئة وإعادة تشكيل المشهد.. من يفاوض باسم اليمن؟
- عربستان میان تنشزدایی و بازچینی صحنه؛ چه کسی به نام یمن مذاکره میکند؟
- الشحن يضغط على جيوب السوريين.. ارتفاع يفوق 40% يغذي موجة الغلاء
- احتجاز سفينتين في هرمز يرفع حرارة المواجهة بين طهران وواشنطن
- توقیف دو کشتی در تنگه هرمز تنش میان تهران و واشنگتن را تشدید کرد
تابع المقالة السعودية بين التهدئة وإعادة تشكيل المشهد.. من يفاوض باسم اليمن؟ على الحل نت.




