الرزق لم يتغير… نحن الذين تغيرنا
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب وسام السعيد- الله لم يخلق جيلاً بلا رزق، وإنما خلق لكل جيل رزقه ووسائله وأسبابه.
الله عزوجل تكفل بالأرزاق، وأن جوهر حاجات الإنسان لم يتغير مهما تغيرت أشكال الحياة
الأسواق تتغير، والعملات تتبدل، والوجوه ترحل، والحضارات تقوم وتسقط… أما الرزاق فهو الله، وكان الله رزاقاً وسيبقى
من يتأمل تاريخ البشرية منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، يكتشف حقيقة عجيبة يغفل عنها كثير من الناس؛ وهي أن الحياة لم تتغير في جوهرها، وإنما تغيرت في صورها وأشكالها فقط.
فالإنسان الأول احتاج إلى الطعام والشراب والكساء والمسكن والأمان، والإنسان اليوم يحتاج إلى الأمور نفسها. تغيرت الأدوات، وتبدلت الوسائل، وتطورت المظاهر، لكن أساس الحياة بقي كما هو لم يتبدل.
لقد تكفل الله عز وجل بأرزاق خلقه منذ أن خلقهم، ولم يترك جيلاً دون رزق، ولا أمة دون أسباب معيشة. فذلك الذي عاش قبل ألف عام أكل وشرب وتزوج وربّى أبناءه، وهذا الذي يعيش اليوم يفعل الأمر ذاته. قد تختلف العملات، وتتغير الأسواق، وتتبدل وسائل التجارة، لكن الرزق نفسه باقٍ بحفظ الله وتقديره.
وقد جاء في الحديث الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الناس قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما غلت الأسعار: «يا رسول الله سعّر لنا»، فقال: «إن الله هو المسعّر، القابض، الباسط، الرزاق». ففي زمن النبوة كما في زماننا كانت هناك فترات غلاء ورخاء، ومع ذلك بقي الرزاق هو الله، وبقيت الأرزاق تجري على عباده بأقداره وحكمته.
ولهذا جاءت تلك الحكمة البليغة المنسوبة إلى أحد الأعراب عندما قيل له: "لقد أصبح رغيف الخبز بدينار”، فقال: "والله ما همني ذلك، ولو أصبحت حبة القمح بدينار، أنا أعبد الله كما أمرني وهو يرزقني كما وعدني”.
إنها كلمة تختصر فهماً عميقاً للحياة؛ فالمؤمن لا يربط يقينه بسعر سلعة، ولا يعلّق طمأنينته بتقلب الأسواق، لأنه يعلم أن الذي خلقه هو الذي تكفل برزقه.
ومن الملاحظات اللافتة أن الذهب بقي عبر القرون مقياساً حقيقياً للقيمة. فعندما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عروة البارقي رضي الله عنه ديناراً ليشتري شاة، استطاع أن يشتري به شاتين. والدينار آنذاك كان يزن نحو 4.25 غرام من الذهب. ولو نظرنا إلى قيمة هذا المقدار من الذهب في عصرنا، لوجدنا أنه لا يزال قريباً من القدرة الشرائية نفسها في كثير من السلع الأساسية، ومنها المواشي وبعض المنتجات الزراعية.
وهذا يكشف لنا أن الخلل في كثير من الأحيان ليس في الرزق نفسه، بل في نظرتنا إليه. فنحن نقارن حياتنا بحياة الآخرين، ونقيس سعادتنا بما نراه على الشاشات، ونحسب أن الكماليات من أساسيات العيش، ثم نشعر بأن الدنيا ضاقت وأن الرزق قلّ.
الحقيقة أن الإنسان عبر التاريخ كان يبحث عن بيت يأويه، وطعام يكفيه، وثوب يستره، وأهل يؤنسونه. أما اليوم فقد أضاف إلى حاجاته عشرات الرغبات التي لم تكن تخطر على بال أسلافه، ثم ظن أن فقدانها يعني ضيق الرزق.
أن البشر يعيشون بما قسمه الله لهم، لا بما يتخيلون أنهم يستحقونه
إن الفرق بين الأجيال ليس أن الله كان يرزق السابقين أكثر منا أو يرزقنا أقل منهم، وإنما الفرق أن كثيراً من الناس قديماً كانوا يقيسون النعمة بالحاجة، بينما يقيسها كثير من الناس اليوم بالرغبة.
ولهذا فإن من أعظم أسباب الراحة أن يوقن الإنسان بأن الرزق لم يكن يوماً مسؤولية البشر، بل مسؤولية رب البشر. وأن الله الذي أطعم أمماً سبقتنا بآلاف السنين، وأغنى أقواماً وفقراء، هو نفسه الذي يدبر أرزاق الناس اليوم.



