الرئيس الموريتاني يستدعي “ظل ديغول” في الإليزيه لبناء جيش حديث
لم تكن الصورة التي اختارها المكتب الإعلامي للرئاسة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو يحمل كتاب “نحو جيش مهني” للرئيس الراحل شارل ديغول، اعتباطية داخل الإليزيه خلال استقباله من طرف نظيره إيمانويل ماكرون.
في عام 1933 عرض ديغول تصوراته للحرب، وللجيش القادر على حماية البلاد من خطر الألمان، مؤكداً أن ذلك لا يتحقق إلا بامتلاك التقنيات الحديثة، وكان هاجسه الحدود مع بلجيكا، بوابةً يمكن للألمان دخول فرنسا منها.
يقرأ ولد الشيخ الغزواني صفحات من الكتاب بنسخته الأصلية، بأوراقه الصفراء العتيقة، استلهاماً من تجربة ديغول في بناء جيش حديث وقوي يصد الأخطار المحدقة، خاصة من الحدود الشرقية، وهو هاجس الحكومة اليوم.
يختلف السياق الذي كُتب فيه كتاب ديغول عن الواقع اليوم، لكنه يشترك في بعض التصورات مع ما يطرحه الرئيس الموريتاني، الذي لم يُخفِ في العديد من خرجاته الإعلامية أن التحدي الأكبر بالنسبة للبلاد يتمثل في انتشار الجماعات المسلحة على الحدود مع مالي.
خلف الأبواب المغلقة
دخل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قصر الإليزيه بحفاوة، واستُقبل على إيقاع الموسيقى العسكرية من طرف نظيره إيمانويل ماكرون، الذي يجد في موريتانيا الشريك الوحيد المتبقي لفرنسا في منطقة الساحل.
وعلى طاولة مستديرة، جلس ولد الشيخ الغزواني مقابلاً لماكرون، وكلاهما يحمل ملفات، مما لا شك فيه أن ملف الأمن كان الأبرز بينها، في وقت تتمدد فيه الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، وترتفع وتيرة الهجرة غير النظامية، التي باتت تؤرق الحكومة الموريتانية وتشغلها.
انعقدت المحادثات بينهما في غرفة مغلقة، ولم يُكشف عن فحواها، إذ اكتفى المكتب الإعلامي للرئاسة بالقول: “فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يجري مباحثات على انفراد في قصر الإليزيه مع فخامة الرئيس الفرنسي السيد إيمانويل ماكرون”.
لكن تسريبات إعلامية، خاصة فرنسية، أفادت بأن المحادثات بين قائدي البلدين تناولت الاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل، وانتشار الجماعات المسلحة، إضافة إلى الشراكة الأمنية بين البلدين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال، في منشور على حسابه على منصة “إكس”، إن فرنسا وموريتانيا تعملان على تعزيز شراكتهما لمواجهة تداعيات الاضطرابات الإقليمية والأزمة الإنسانية.
وأضاف ماكرون أن البلدين “شريكان موثوقان” في مواجهة ما وصفه بتصاعد حالة عدم الاستقرار في العالم والتحديات المشتركة، مؤكداً أن التعاون الثنائي يهدف إلى تعزيز الاستجابة للتطورات الإقليمية.
وإن كان الرئيس الفرنسي لم يتطرق في منشوره إلى التطورات في منطقة الساحل، التي لم تعد باريس لاعباً رئيسياً فيها، فإن هذه المنطقة تبقى في صلب الشراكة بين البلدين.
هواجس موريتانيا
لا تُخفي موريتانيا هاجسها من تصاعد انتشار الجماعات المسلحة وارتفاع وتيرة الهجرة غير النظامية، لذلك تُعوّل كثيراً على حلفائها الأوروبيين، خاصة فرنسا.
في هذا السياق، قال محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس، إن “المعطيات الميدانية ودينامية الوضع في الساحل تشير إلى أن خطر تفاقم الأزمة أو توسعها جغرافياً لا يمكن استبعاده”، محذراً من أن “عواقب ذلك ستكون كارثية على المنطقة بأسرها”، مع تداعيات محتملة على أنماط الهجرة العالمية.

وأضاف أن الهجرة غير النظامية في منطقة الساحل، وخاصة في موريتانيا، تمثل “تحدياً كبيراً” يجري التعامل معه بدعم من الاتحاد الأوروبي، في إطار ما وصفه بروح “المسؤولية الجماعية”، مشيراً إلى أن الضغوط التي تفرضها هذه الظاهرة “تفوق بكثير” القدرات الديمغرافية والاقتصادية للبلاد، فضلاً عن اتساع رقعتها الجغرافية.
نحو بناء جيش حديث
تبقى صورة محمد ولد الشيخ الغزواني وهو يحمل كتاب شارل ديغول معبّرة عن خطط نواكشوط لمواجهة هذه التحديات، عبر تحديث الجيش وامتلاك التقنيات التكنولوجية المتطورة.
وكان ديغول قد رأى في كتابه أن متطلبات الحرب الحديثة تفرض امتلاك مهارات تقنية متقدمة، وبلا شك، فإن التقنيات في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ليست كما هي اليوم، إذ تُعوّل نواكشوط على اقتنائها من شركائها، خاصة فرنسا.
لم يعد الجيش التقليدي وحده كافياً لحسم المعارك اليوم، إذ باتت الطائرات المُسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي من الأدوات الحديثة التي تصنع الفارق في الحروب المعاصرة.
وسبق أن تعهد ولد الشيخ الغزواني، الشهر الماضي، خلال حفل إفطار في حامية عسكرية بمدينة أطار، بتحسين ظروف الجيش وتوفير العتاد والسلاح للقيام بالمهام الموكلة إليه، بصفته “العين الساهرة” على أمن الوطن، مشيراً إلى الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة والعالم.
ويعوّل الرئيس الموريتاني على الشراكة مع فرنسا لتطوير الجيش واقتناء التقنيات العسكرية الحديثة، بما يُمكّن من تعزيز قدرات الردع في مواجهة مختلف التهديدات، لا سيما في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل.
وفي هذا السياق، قال ولد الشيخ الغزواني إنهم يعوّلون على باريس، وعلى خبرتها وريادتها الدولية وثقلها داخل الاتحاد الأوروبي، “لتمكيننا من التقدم بوتيرة أسرع”.
وتابع: “تبقى المسألة الأمنية في منطقة الساحل أولوية كبرى، فقد اختارت موريتانيا مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية وحضور الدولة والحوار، ما مكننا من الحفاظ على استقرار نسبي في بيئة شديدة الهشاشة”.

