... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
100777 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7941 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الرياض تعيد توزيع القوة دون ضجيج

العالم
أمد للإعلام
2026/04/04 - 17:20 501 مشاهدة

لم يكن ما قاله دونالد ترامب مجرد زلة لسان، بل تعبيراً صريحاً عن ذهنية سياسية تعتبر الحلفاء امتداداً للنفوذ لا شركاء فيه.
فتصريحاته بحق محمد بن سلمان حملت نبرة استعلاء غير مسبوقة، وكأن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية يمكن اختزالها في معادلة “آمر ومأمور”.
غير أن ما تلا ذلك لم يكن رد فعل تقليدياً، بل كان صمتاً محسوباً، لا يعكس حياداً بقدر ما يعكس انتقالاً هادئاً إلى مستوى آخر من الفعل السياسي، حيث تُدار المصالح بعيداً عن الانفعال، وتُعاد صياغة التوازنات دون ضجيج.
في هذا السياق، يبرز ملف الطاقة بوصفه المدخل الأكثر وضوحاً لفهم هذا التحول؛ إذ إن خط الأنابيب الشرقي-الغربي الممتد إلى ينبع لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبح أداة سيادية تعزز استقلال القرار، بقدرة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، وهي طاقة تقترب من إجمالي الصادرات النفطية للمملكة في كثير من الأحيان.
وبهذا، تتراجع مركزية مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، من كونه نقطة ضغط حاسمة إلى مجرد خيار من بين خيارات، في دلالة واضحة على أن القوة لم تعد فقط في الإنتاج، بل في القدرة على التحكم بمساراته وتجاوز اختناقات الجغرافيا السياسية.
غير أن هذا التحول لا يقف عند حدود النفط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية بطريقة أكثر مرونة وتوازناً؛ حيث يتقاطع الدور السعودي مع كل من تركيا وباكستان ومصر ضمن صيغة لا ترقى إلى تحالف تقليدي بقدر ما تعكس “هندسة مصالح” متعددة المستويات، تجمع بين الثقل السكاني الذي يتجاوز أربعمائة مليون نسمة، والقدرات العسكرية المتنوعة، والتحكم بممرات حيوية مثل قناة السويس. وفي هذا الإطار، لا يبدو الهدف استبدال حليف بآخر، بل توسيع دائرة الخيارات بحيث لا تبقى أي دولة رهينة محور واحد أو مظلة واحدة.
أما في الجنوب، فإن باب المندب يظل عنصراً محورياً في معادلة الأمن والطاقة، إذ تمر عبره ملايين البراميل يومياً إلى جانب نسبة معتبرة من التجارة العالمية، ما يجعل أي استقرار فيه ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
ومن هنا، فإن أي تهدئة في اليمن، بما في ذلك التفاهمات غير المباشرة مع الحوثيون، تندرج ضمن مقاربة إدارة المخاطر لا إنهاء الصراعات، خاصة في ظل حضور إيران كلاعب مؤثر في توازنات المنطقة، سواء عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة.
ضمن هذا المشهد المركب، تتضح ملامح تحول أعمق في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، التي لم تعد تمثل الضامن الوحيد للأمن الإقليمي، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات، في إطار انتقال تدريجي من الاعتماد الأحادي إلى إعادة التوازن.
وهنا تحديداً تتجلى المفارقة؛ فبينما كان الخطاب الأمريكي يميل إلى الاستعلاء، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى تشكل عالم أكثر تعددية، وأقل خضوعاً لهيمنة قطب واحد.
وعليه، فإن الرد السعودي لم يكن بياناً سياسياً، بل مساراً عملياً متكاملاً: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز البدائل عبر ينبع، وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية، والعمل على تهدئة بؤر التوتر المؤثرة في خطوط التجارة العالمية.
وبهذا المعنى، تتحول الإهانة إلى حدث عابر في سياق أوسع يعيد تعريف مفهوم القوة ذاته، بحيث لا تقاس بردود الأفعال الآنية، بل بالقدرة على تحويل الضغوط إلى فرص، والاستفزاز إلى إعادة تموضع استراتيجي.
في عالم يضج بالتصريحات، يبدو أن الدول الأكثر فاعلية هي تلك التي تفضل أن تقول أقل… وتفعل أكثر؛ فالتاريخ لا يُكتب بما يُقال في لحظات الانفعال، بل بما يتغير بهدوء على الأرض. وهنا فقط، يمكن فهم كيف أن الصمت، حين يكون مدروساً، لا يعكس ضعفاً، بل قوة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات دون أن ترفع صوتها.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤