الوصاية الهاشمية على القدس
الوصاية الهاشمية على القدس: المعركة الفاصلة بين الأمة ومشروع تهويد الأقصى
بقلم: أ.د. محمد تركي بني سلامة
في الوقت الذي تتعرض فيه الأمة العربية والإسلامية لأعظم التحديات في تاريخها المعاصر، تتكشف يوماً بعد يوم معالم مشروع أمريكي إسرائيلي خطير يستهدف المسجد الأقصى المبارك والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة، ويعمل بصورة منهجية على تقويض الوصاية الهاشمية التاريخية التي شكلت على مدى أكثر من قرن صمام الأمان لحماية هوية المدينة المقدسة والحفاظ على طابعها العربي والإسلامي.
إن ما يجري اليوم لم يعد مجرد اعتداءات إسرائيلية متكررة أو اقتحامات استفزازية للمسجد الأقصى، بل أصبح مشروعاً سياسياً وأمنياً ودينياً متكاملاً يهدف إلى فرض واقع جديد في القدس، يقوم على إنهاء الدور الأردني التاريخي في رعاية المقدسات، وفتح الطريق أمام فرض التقاسم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى تحت الهيمنة الإسرائيلية الكاملة. وتشير العديد من التقارير والمعلومات المتداولة إلى وجود توجهات أمريكية وإسرائيلية لإعادة صياغة إدارة المسجد الأقصى عبر إنشاء مرجعيات جديدة تخضع عملياً للإشراف الإسرائيلي، بما يتيح التدخل في إدارة شؤون المسجد وتعيين الأئمة والخطباء ومراقبة النشاط الديني داخله.
وتكمن خطورة هذه المخططات في أنها تستهدف جوهر الوصاية الهاشمية التي تمثل إحدى أهم ركائز حماية القدس ومقدساتها. فالوصاية الهاشمية ليست مجرد عنوان سياسي أو بروتوكولي، بل هي مسؤولية تاريخية ودينية وقومية حملها الهاشميون منذ عام 1924 دفاعاً عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحفاظاً على هويتها العربية والإسلامية في مواجهة مشاريع التهويد والطمس والتزوير.
لقد أدرك الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات أن الوصاية الهاشمية تمثل العقبة الأساسية أمام مخططاته الرامية إلى فرض السيادة الكاملة على المسجد الأقصى المبارك، ولذلك كثف جهوده لتقويض هذه الوصاية وإضعاف دور دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية التي تمثل المرجعية الشرعية والقانونية لإدارة شؤون الحرم القدسي الشريف. كما أن استهداف الوصاية الهاشمية لا يقتصر على البعد الأردني فحسب، بل يهدف إلى تفكيك آخر الحواجز التي تحول دون تنفيذ المشروع الصهيوني الهادف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس.
وما يزيد من خطورة هذه المرحلة أن هذه التحركات تجري في ظل دعم أمريكي واضح وصمت دولي مريب، الأمر الذي يمنح حكومة الاحتلال مزيداً من الجرأة للاستمرار في سياساتها العدوانية تجاه القدس وأهلها ومقدساتها. إن أي محاولة للمساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك لن تؤدي فقط إلى تقويض الاستقرار في القدس، بل ستفتح أبواب المنطقة كلها أمام موجات جديدة من التوتر والصراع، لأن الأقصى ليس مجرد معلم ديني، بل رمز عقائدي وحضاري لملياري مسلم في أنحاء العالم.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على الأردن وحده، رغم أنه يتحمل العبء الأكبر في الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية وعن الشرعية التاريخية للوصاية الهاشمية. فالمعركة اليوم هي معركة الأمة بأسرها، وتتطلب موقفاً عربياً وإسلامياً موحداً يرتقي إلى مستوى التحدي والخطر.
إن الحاجة أصبحت ملحّة لعقد قمة طارئة لمنظمة التعاون الإسلامي، يشارك فيها قادة الدول الإسلامية ووزراء الخارجية والأوقاف، لبحث المخاطر المتصاعدة التي تستهدف المسجد الأقصى المبارك والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ووضع خطة عمل سياسية وقانونية وإعلامية موحدة لمواجهة المشروع الإسرائيلي المدعوم أمريكياً. فبيانات الشجب والاستنكار لم تعد كافية، والمرحلة الراهنة تتطلب خطوات عملية تترجم إلى مواقف وإجراءات حقيقية تحمي القدس وتحافظ على هويتها.
إن الوصاية الهاشمية ليست قضية أردنية فحسب، وليست ملفاً سياسياً قابلاً للمساومة أو المساكنة، بل هي مسألة حياة أو موت بالنسبة للأمة الإسلامية بأسرها، لأنها تمثل الضمانة الحقيقية المتبقية لحماية المسجد الأقصى المبارك والحفاظ على هويته الإسلامية والعربية في مواجهة أخطر مشروع تهويدي عرفته المنطقة.
إن الدفاع عن الوصاية الهاشمية لم يعد شأناً أردنياً فحسب، بل أصبح اختباراً حقيقياً لإرادة الأمة الإسلامية وقدرتها على حماية مقدساتها. فإما أن تنهض الدول الإسلامية مجتمعة تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي للدفاع عن القدس والأقصى، وإما أن تفتح أبواب المدينة المقدسة أمام أخطر مشروع تهويدي في تاريخها الحديث. وفي هذه القضية المصيرية لا يوجد موقع للمترددين أو المحايدين؛ فالقدس تنادي الأمة كلها، والأقصى أمانة في أعناق المسلمين جميعاً، والوصاية الهاشمية هي خط الدفاع الأخير الذي يجب أن يلتف حوله الجميع قبل فوات الأوان.
هذا المحتوى الوصاية الهاشمية على القدس ظهر أولاً في سواليف.





