... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
34338 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8166 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الوهابية: استقالة العقل وصناعة العنف

العالم
فواصل
2026/03/27 - 12:47 503 مشاهدة

منصة فواصل الاخبارية |

عاش المجتمع الليبي فترة من الاستقرار في هويته الدينية، نتيجة التفاعل بين المجتمع والسلطة؛ فالمجتمع، عبر مؤسسات التعليم التقليدية كالزوايا والمدارس، رسم معالم تدينه، والسلطة وجدت نفسها مندمجة في هذا الإطار، فكان الاستقرار – وإن لم يكن مثالياً – هو السمة الغالبة. ومع تآكل السلطة وعدم تطوير التعليم، تعرض هذا الاستقرار إلى هجوم فكك البنية المجتمعية وزعزع الثوابت، وأدخل المجتمع في حالة من الفوضى والشتات.

قاد هذا الهجوم الإسلام الحركي ممثلاً في تيارين رئيسيين: الإخوان المسلمون والوهابية بمختلف مستوياتها (تقليدية، جهادية، سرورية). ويبدو أن الإخوان كانوا أكثر قدرة على التعايش مع المجتمع، إذ لم يمارسوا القطيعة معه، وتركز اهتمامهم على المثقف والسلطة. أما الوهابية فقدمت نفسها خادمة للسلطة، معادية للنخب والمثقفين وعموم المجتمع، لكنها استطاعت أن تجد لها موطئ قدم في ليبيا بفضل ترسانة مالية ضخمة، وتحالفات سياسية متعددة، إضافة إلى الفراغ الكبير الذي تركه ضعف المؤسسات التعليمية والدينية التقليدية. ومع مرور الوقت تغلغلوا في المجتمع حتى تمكنوا من التحكم في الخطاب الديني.

وللتعرف على الركائز الفكرية لهذا التنظيم، ننطلق من نص ورد في «الرسائل الشخصية» ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ج6، ص187): “وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم، واعتقدَ من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك…”

هذا النص يكشف عن عقلية دينية تعيش أزمة معرفية عميقة، إذ يبدأ المؤسس بقسم يؤكد فيه أنه لم يكن يعرف معنى “لا إله إلا الله” ولا حقيقة الإسلام قبل أن يمنّ الله عليه بالهداية، ويقرر أن مشايخه كذلك لم يعرفوا ذلك. هذه الصياغة ليست مجرد سرد شخصي، بل هي بناء بلاغي يهدف إلى إقناع المخاطَبين بصدق التجربة، وفي الوقت نفسه إلى نزع الشرعية عن الآخرين، فهو يحتكر الحقيقة ويصنف غيره في خانة الجهل أو الضلال. وهنا نجد أنفسنا أمام ما يسميه علي حرب “اللاهوت الإقصائي”، أي منطق يؤسس لثقافة الإقصاء التي تتحول لاحقاً إلى شرعنة للعنف.

وحين يقدم تجربته على أنها الحقيقة المطلقة، فإنه لا يترك مجالاً للآخر، ويفرض على أتباعه أن يتعاملوا مع فهمه كالنص المقدس، وهو ما يؤدي إلى صدام مع قيم العصر ومفهوم الدولة. وقد حذر القرافي قديماً من الجمود على النص وعدّه ضلالاً في الدين، لأن الجمود يعني رفض النقد والمساءلة، وهو ما ينتج “العقل المستقيل” لدى القارئ.

ولعل أوضح مثال على ترجمة هذا الفكر إلى واقع هو ما شهدته ليبيا من هدم للأضرحة والقبور التاريخية، مثل ضريح الشيخ عبدالسلام الأسمر، وضريح الشيخ المدني، وغيرهما من المعالم التي كانت جزءاً من الذاكرة الدينية والثقافية للمجتمع. هذا الفعل لم يكن مجرد اجتهاد فقهي، بل تجسيد عملي لثقافة الإقصاء التي ترى في الآخر – حتى لو كان رمزاً دينياً أو تاريخياً – بدعة يجب محوها.

إن النص الذي كتبه محمد بن عبد الوهاب، وما بني عليه لاحقاً، يمثل أرضية خصبة للتطرف؛ فمن يحتكر الحق يطلب الولاء الحصري، ويواجه غيره بالتكفير، ثم يأتي من يترجم هذه الأفكار إلى أفعال تخريبية يتقرب بها إلى الله، ظناً أنه يجسد الدين واقعاً. وهكذا يصبح الفكر الوهابي خيطاً يربط بين الكلمة والرصاصة، بين المنبر والسلاح، وهو ما يفسر تبني معظم التنظيمات الإرهابية لهذا الفكر أساساً لدعوتها.

وختاما، فإن نصوص محمد بن عبد الوهاب، بما تحمله من إقصاء واحتكار للحقيقة، لم تكن مجرد اجتهادات فردية، بل تحولت إلى منظومة فكرية أسست لثقافة العنف، وهو ما يجعل نقدها ضرورة لفهم جذور الأزمة الدينية والسياسية في مجتمعاتنا، خاصة حين نرى آثارها الملموسة في واقعنا الليبي.
وللحديث بقية

The post الوهابية: استقالة العقل وصناعة العنف appeared first on منصة فواصل Fawasel Media.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤