الوجود التركي – الروسي في سوريا: تنسيق فوق الطاولة وضغوط تحتها
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
لا تُختصر العلاقة بين روسيا وتركيا في سوريا بمصطلح "تنسيق"، الذي راج طويلاً منذ مسار أستانا، واتفاقات إدلب، وصولاً إلى سوتشي. فقد تحول هذا التنسيق إلى أمر آخر، يبدو أنّه بات يخفي الكثير. فبعد التحولات السورية الكبرى، وتراجع الدور العسكري الروسي نتيجة انهيار نظام بشار الأسد، تحوّلت موسكو إلى وضعية حماية ما تبقى لها من قواعد ونفوذ، مطعّمة بين الحين والآخر بمبادرات المساعدة والدعم العسكري للجيش السوري الجديد. من هنا، يمكن القول إن العلاقة الروسية ـ التركية دخلت ضمن مرحلة أكثر دقة وحساسية، قوامها التنسيق الضروري لمنع الصدام، والتنافس المفتوح على شكل سوريا الجديدة. في الظاهر، تحافظ موسكو وأنقرة على قنوات اتصال، لأنّ مصلحة الطرفين تقتضي تحاشي المواجهة المباشرة. تركيا تحتاج إلى إدارة الملف السوري بأقل قدر ممكن من الاحتكاك، بينما روسيا تحتاج إلى تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، كقناة تواصل حول ملفات أوسع وأبعد من سوريا، تخصّ مثلاً: البحر الأسود، وأوكرانيا، والطاقة، والحبوب، وغيرها. أمّا في العمق، فتبدو سوريا، اليوم، بمنزلة ساحة اختبار جديدة للعلاقة بين الطرفين، بوصفها إدارة تناقضات بين قوتين تتعاونان حين تضطران، وتتنافسان حين تسمح الظروف بذلك. المعطى الأبرز، أنّ روسيا لم تعد منتشرة في سوريا كما كانت قبل سقوط الأسد. فقد تحدثت تقارير عدّة في الأشهر القليلة الفائتة عن إعادة انتشار عسكري روسي أدى إلى انكماش وجود موسكو إلا ضمن قواعدها الأساسية، ولا سيما في حميميم وطرطوس، وذلك بعد أن اضطرت إلى تقليص وجودها في أكثر من موقع. هذا التراجع لم يعنِ يومًا خروج روسيا الفوري من سوريا، وإنما انتقالها من موقع "القوة" التي تملك المبادرة، إلى موقع "القوة" التي تدافع عن الحد الأدنى من النفوذ. أمّا تركيا، فخرجت من التحول السوري كطرف يملك القدرة على التأثير في السلطة الجديدة، وضبط جزء كبير من التوازنات فيها. في هذا السياق، تفيد معلومات بوجود تمركز لقوة من مجموعات جهادية شمال مدينة اللاذقية، أي في منطقة قريبة نسبيًا من المجال الحيوي لقاعدة حميميم الروسية، مهمتها مراقبة القوات الروسية المتمركزة في القاعدة، ورصد التحركات المتصلة بميناء طرطوس عبر وسائل استطلاع ومسيّرات. المعلومات تشير كذلك إلى أنّ هذه المجموعات تضم عددًا كبيرًا من المقاتلين، وتتلقى دعمًا وتدريبًا من أوكرانيا، وذلك في تقاطع لافت بين الحرب الأوكرانية والساحة السورية. صحيح أنّ هذه الوقائع يصعب التعامل معها كوقائع مثبتة وحاسمة، لكنّها قد تعطي إشارات عن تحوّل بالغ الحساسية، يشي بأنّ سوريا تتحول ببطء لتكون امتدادًا غير مباشر للحرب الروسية ـ الأوكرانية، وهنا مكمن الخطورة. وجود هذه المجموعات المدربة أو المدعومة من كييف، قرب مناطق حساسة للوجود الروسي في الساحل السوري، يعني أنّ سوريا تعبث في المكان الخطأ، محوّلة أراضيها إلى منطقة صراع لا دخل لها به، ولن يجلب لها سوى "الصداع الإقليمي". المعلومات تتحدث أيضًا عن تحركات لعناصر هذه المجموعات عبر الشمال السوري ومناطق حدودية قريبة من تركيا، وهو ما يطرح سؤالاً سياسيًا – أمنيًا مفاده التالي: هل يجري كل ذلك بعلم أنقرة؟ هل تغضّ تركيا النظر عن هذه النشاطات من أجل تضييق الهامش الروسي في سوريا؟ أم تقوم أنقرة باستخدام هذه الورقة لممارسة ضغوط غير مباشرة على موسكو؟ ربما يحتاج الجواب الحاسم إلى وقت أطول لرصد المزيد من الشواهد والأدلة، لكنّ السياق السياسي العام يعطي إجابة سريعة تسمح بقراءة الاتجاهات. تركيا لا تخفي رغبتها في رؤية سوريا جديدة خالية من الهيمنة الروسية بعد أن انتهى الوجود الإيراني. هي، وإن لم تعلن مواجهة مع موسكو، تتحرك عمليًا في بيئة تجعل استمرار القواعد الروسية أقل راحة وأكثر كلفة. ومن هنا يبدو أن المطلوب من وجود هذه الجماعات المتشددة حول القواعد الروسية، هو تحويل بقاء موسكو في سوريا إلى معادلة شاقة، تقوم على بيئة أمنية قلقة، ومجال سياسي تتحكم به تركيا وتمسك بمفاتيحه. فقاعدة حميميم التي كانت مركز الثقل الجوي الروسي في سوريا، وميناء طرطوس الذي وفّر لموسكو موطئ قدم استراتيجيًا على البحر الأبيض المتوسط، قد يتحولان إلى "عبء" أمني وسياسي، خصوصًا إذا بات محيطهما مكشوفًا أمام مراقبة خصوم روسيا وأعدائها. إزاء هذا المشهد، قد لا يكون كافيًا الرهان على حكمة تركيا من أجل تدارك أنّ الضغوط الزائدة على روسيا، قد تدفعها إلى استخدام أوراق مضادة. فموسكو تملك أوراقًا كثيرة قادرة على فردها على الطاولة، وبعثرة المشهد، خصوصًا في حال شعرت أنّ حضور عناصرها في سوريا بات في خطر. من بين تلك الأوراق مثلاً: دعم الأكراد (خصوم أنقرة) أو ربما تحريك أوراق في البحر الأسود والقوقاز. ولهذا تراهن موسكو على أنّ أنقرة ستبقى مدركة لخطورة هذا الأمر، ومستوعبة تمامًا أهمية عدم تجاوز تلك الخطوط الحمر.





