الندوات الصحافية لـ”العدالة والتنمية”.. من آلية تواصلية إلى “سلاح” سياسي
لم تعد الندوات الصحافية التي يعقدها حزب العدالة والتنمية، مجرد لحظات تواصلية، تُستدعى عند الحاجة لشرح موقف أو الرد على حدث، بل أضحت مع تواليها وتكثيفها فعلا سياسيا قائما بذاته، وأداة اشتغال ممنهجة، في معركة التأثير وإعادة التموضع داخل المشهد السياسي.
فعندا يعقد حزب سياسي حوالي عشر ندوات صحافية في فترة زمنية وجيزة، ويخصص جزءا كبيرا منها لمساءلة رئيس الحكومة، أو للرد على مواقفه وخياراته، فإن الأمر يتجاوز الآلية التواصلية التقليدية، إلى الحرص على بناء سردية سياسية مضادة، تُقدَّم للرأي العام بشكل منتظم، ومدعومة بمعطيات وأرقام ومواقف واضحة.
والأهم من ذلك، ليس فقط ما قيل داخل هذه الندوات، بل ما لم يقع خارجها، فرغم حمولة هذه الخرجات من نقد مباشر، وأحيانا حاد، لرئيس الحكومة وسياساته، لم يصدر أي رد رسمي يُعتدّ به، لا في شكل ندوات مقابلة، ولا بلاغات توضيحية، ولا في شكل تعقيبات سياسية مضادة، وهذا الصمت من قبل رئيس الحكومة، في منطق السياسة، ليس حيادا، بل عنصر ضمن معادلة التأثير.
إذ أنه في غياب الرد والتفاعل، تتحول المعطيات المقدمة داخل ندوات العدالة والتنمية، إلى حقيقة متداولة، أو على الأقل إلى رواية غير متنازع على صدقيتها، ومع التكرار، تترسخ في الوعي العام كمعطى موثوق، خاصة حين تُقدَّم بلغة الأرقام والتفاصيل، وهنا بالضبط تتجلى قوة هذا التكتيك السياسي، الذي قوامه نقل النقاش من مستوى الانطباع إلى مستوى المعطى الدقيق، ومن رد الفعل إلى الفعل المبادر.
بهذا المعنى، يمكن القول أن حزب العدالة والتنمية نجح في تحويل “الندوة الصحافية” إلى منصة لإعادة بناء شرعية سياسية، بعد مرحلة صعبة أعقبت خروجه -أو إخراجه- من الحكومة، حيث لم يعد الحزب ينتظر اللحظة الانتخابية ليخاطب المواطنين، بل صار يصنع إيقاعه السياسي الخاص، ويغذي النقاش العمومي بشكل مستمر.
كما أن هذه الندوات مكنته من تحقيق ثلاث مكاسب متداخلة على الأقل، أولها استعادة حضوره في واجهة النقاش العمومي، وثانيا، إحراج خصومه، وخاصة رئيس الحكومة، بوضعهم في موقع المتلقي الصامت، وثالثا، مراكمة رصيد من المواقف والقضايا التي يمكن استثمارها انتخابيا.
وفي السياسة، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه من مواقع، بل أيضا بما تفرضه من أجندة، وحزب العدالة والتنمية، عبر هذه الندوات، لم يكتفِ بالعودة إلى الساحة، بل حاول أن يحدد قواعد الاشتباك داخلها.
لذلك، يمكن القول إن هذه التجربة تمثل تحولا نوعيا في أدوات الاشتغال السياسي للحزب، نقله من خطاب تعبوي تقليدي، إلى تواصل هجومي مؤطَّر، ومن رد الفعل إلى صناعة المبادرة، مما سيمنح الحزب أفضلية نسبية في الاستحقاقات المقبلة، ليس فقط بما راكمه من مواقف، بل بما رسخه من صورة الفاعل الحاضر في مقابل الفاعل الصامت.
بكلمة، قد لا تكون كل الندوات الصحافية التي عقدها حزب العدالة والتنمية متساوية في تأثيرها، لكن تراكمها بهذا الشكل جعل منها علامة نوعية في مسار الحزب، وأحد أهم أسلحته السياسية في هذه المرحلة.
ظهرت المقالة الندوات الصحافية لـ”العدالة والتنمية”.. من آلية تواصلية إلى “سلاح” سياسي أولاً على مدار21.


