الناصحون الحقيقيون لرئيس الجمهورية
إن الناصحين الحقيقيين لرئيس الجمهورية لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يدعوه إلى تجاهل أصوات الشباب أو التقليل من شأنها.
فالداعمون لفخامته داخل الطيف الموالي ليسوا على وتيرة واحدة؛ فمنهم من يسانده بصدق ويقدم له النصح الخالص، وهؤلاء يدركون دون عناء أن خروج الشباب اليوم ليس حدثًا عابرًا أو ردّة فعل مؤقتة، بل هو رسالة غضبٍ واضحة، وإنذارٌ يستوجب التعامل معه بأقصى درجات الجدية والحكمة.
وفي المقابل، هناك من يحيطون به بدافع تحقيق مصالحهم الخاصة، فينساقون خلف ضجيجٍ أجوف يمارسه بعض مناضلي الأغلبية، وكأن الهتاف قادرٌ على إخماد معاناة الناس أو طمس حقيقة ما يختلج في صدورهم من ألم.
إن من ينظر إلى الواقع بعين الحقيقة وبكل تجرد، لا يمكنه إلا أن يقرّ بأن الوضع أكثر خطورةً مما تحاول حكومتنا الموقرة إخفاءه! ومتى كان بالإمكان حجب ضوء الشمس بغربال؟
إنها لحظة المكاشفة والصدق مع الذات؛ فلم يعد ممكنًا الاستمرار في خنق المواطن الذي أنهكه الغلاء، وأضنته تكاليف المعيشة، وضاقت به سبل الحياة حتى قبل الأزمات، فكيف وقد تضاعفت عليه اليوم؟
مواطنٌ يعاني من انقطاع الماء والكهرباء في أحياء من العاصمة، فكيف هو حال من يعيش في الداخل؟
مواطنٌ يرزح تحت وطأة نظام صحي هش، وتعليم متعثر، وقلقٍ أمني على الحدود، وغياب رؤية تبعث في نفسه الأمل أو تمنحه سببًا للصبر، في وقتٍ يرى فيه ثرواته تُبدّد، وخيراته تُقتسم، ومستقبله يُرهن دون اكتراث.
إنهم يراهنون على وعي الشعب وتمسكه بأمنه القومي، لكنهم في الوقت ذاته لا يتركون له ما يراهن عليه في حكومته أو يثق به في قيادته.
لقد كنا نعيش أزمةً قبل أن تتفاقم الأوضاع الدولية، وقبل اضطراب سلاسل الإمداد، فلا ينبغي أن تُتخذ هذه التطورات ذريعة لتبرير واقعٍ كان مأزومًا في الأصل. إنها، في حقيقتها، أزمةٌ تعكس إخفاق نخبةٍ لم تُحسن إدارة مقدّرات هذا الشعب، ولم تدّخر له شيئًا لأيام الشدة، ولم تستفد من دروس الأزمات السابقة، من جائحة كورونا إلى تداعيات الحروب العالمية، بل انشغل كثيرٌ من أفرادها بتسيير مراحلهم دون رؤية إصلاحية حقيقية.
ومع ذلك، لا يحتملون صوتًا ناقدًا أو رأيًا مخالفًا.
الظلم والغبن المستشريين في منظومة الامتيازات والتوريث لا يمكن أن يدومَا، ولا ينبغي لهما ذلك؛ فاستمرارهما لا يشكل ظلمًا للفئات المتضررة فحسب، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الوطن بأكمله.
ولا مصلحة لموالٍ ولا لمعارض في استمرار هذا الاحتقان، فالأوطان لا تتحمل العبث الطويل بجراح شعوبها، وإذا اختل ميزان التوازن، فلن يسلم أحد من تبعات الفوضى.
فالله الله في الوطن.. حصّنوا البلاد بالعدل قبل أن تداهمها العواقب.
فالدول لا يحفظها التطبيل، ولا تنقذها المكابرة، ولا يثبتها تجاهل معاناة الناس، وإنما يحفظها الإنصاف، ويقويها الإصلاح، ويؤمّنها الإصغاء الصادق لنبض المجتمع.
هذا كلام ناصحٍ لا شامت، وداعمٍ لا متربص.
أقول ذلك وأنا أعدّ نفسي من الموالين الناصحين لفخامة الرئيس، حريصًا على هيبة الدولة، ومؤمنًا بأن النصيحة الصادقة أَولى من الصمت، وأن العدل وحده هو الكفيل بحفظ الأوطان في أوقات الشدة والضيق.
اللهم احفظ موريتانيا وشعبها.
The post الناصحون الحقيقيون لرئيس الجمهورية first appeared on مدار.


