الناقل الوطني للمياه: مشروع الإنقاذ… أم اختبار صعب للاقتصاد الأردني؟
الناقل الوطني للمياه: مشروع الإنقاذ… أم اختبار صعب للاقتصاد الأردني؟
بقلم: د. محمد بني سلامة
في الأردن، حيث لم تعد أزمة المياه مجرد تحدٍ خدمي بل تهديداً وجودياً، يبرز مشروع “الناقل الوطني للمياه” كواحد من أهم القرارات المصيرية في تاريخ الدولة. نحن أمام مشروع لا يعيد فقط رسم خريطة المياه، بل يعيد تشكيل معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لعقود قادمة.
يقوم المشروع على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها عبر مئات الكيلومترات إلى مختلف مناطق المملكة. وعلى الرغم من بساطة الفكرة، إلا أن تنفيذها يمثل تحدياً هندسياً استثنائياً، حيث يتطلب ضخ المياه إلى ارتفاعات شاهقة، ما يجعله من أكثر المشاريع تعقيداً في المنطقة. إنه إنجاز تقني مهم، لكنه ليس وحده ما يحدد نجاح المشروع.
المشروع سيؤمّن نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وهو رقم كفيل بإحداث تحول حقيقي في حياة الأردنيين، من حيث انتظام التزويد وتحسين جودة الحياة ودعم القطاعات الحيوية. لكن خلف هذا الإنجاز المتوقع، يبرز سؤال أكثر عمقاً: من سيدفع الكلفة، وكيف ستُدار هذه الكلفة على المدى الطويل؟
تشير التقديرات إلى أن العجز السنوي للمشروع يتجاوز 378 مليون دينار، وهو رقم لا يمكن تجاهله أو التقليل من أثره. هذا العجز لن يكون مؤقتاً، بل سيشكّل التزاماً دائماً، يُموَّل إما من خلال الضرائب أو الاقتراض أو كليهما. وفي جميع الأحوال، فإن المواطن هو من سيتحمل العبء، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
المشكلة الأساسية لا تكمن في كلفة المشروع بحد ذاتها، بل في غياب رؤية اقتصادية واضحة تضمن استدامته. لا يمكن إدارة مشروع بهذا الحجم بعقلية الدعم المفتوح، لأن ذلك يقود حتماً إلى اختلالات مالية وسلوك استهلاكي غير منضبط. التجارب السابقة تؤكد أن التسعير الذي لا يعكس الكلفة الحقيقية يؤدي إلى هدر الموارد وتفاقم الأعباء على الخزينة.
وفي قطاع المياه، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية، لأننا نتعامل مع مورد نادر واستراتيجي. التسعير غير المدروس لا يحقق العدالة، بل يفتح المجال لاستهلاك مفرط لدى القادرين، فيما تتحمل الدولة كلفة هذا الخلل. ومع مرور الوقت، يتحول العجز إلى عبء مزمن يحد من قدرة الدولة على الاستثمار ويزيد الضغط على الموازنة العامة.
السؤال الجوهري هنا: كيف يمكن إدارة مشروع بهذا الحجم دون الالتزام بأساسيات الاقتصاد؟ إن ربط السعر بالكلفة، وضبط الطلب، وتوجيه الدعم بشكل عادل، ليست خيارات، بل شروط أساسية للنجاح. تجاهل هذه المبادئ يعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمات التي شهدناها في قطاعات أخرى.
الطريق الصحيح يبدأ بتبني تسعير عادل وشفاف يعكس الكلفة الحقيقية، مع حماية الفئات محدودة الدخل. تسعير شرائحي يحقق التوازن بين العدالة والكفاءة، ويحد من الهدر، ويضمن الاستخدام المسؤول للمياه. كما يتطلب الأمر شفافية في عرض الكلف والالتزامات، وربط أي تعديل سعري بتحسين فعلي في كفاءة التشغيل وتقليل الفاقد.
في النهاية، “الناقل الوطني” ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة مواردها بحكمة. يمكن أن يكون قصة نجاح تاريخية، أو عبئاً مالياً طويل الأمد. الفارق بين الخيارين لا يكمن في حجم المشروع، بل في كيفية إدارته.
القرار اليوم واضح: ليس فقط تنفيذ المشروع، بل ضمان استدامته. لأن الدول لا تُقاس فقط بما تنجزه، بل بكيفية إدارتها لما تنجزه.
هذا المحتوى الناقل الوطني للمياه: مشروع الإنقاذ… أم اختبار صعب للاقتصاد الأردني؟ ظهر أولاً في سواليف.





