الناجون من قصف غزة .. قصص تكشف المأساة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام
حين يخرج ناجٍ من تحت الركام، لا يخرج وحده. يخرج معه بيت تهدّم، وصوت انقطع، ووجوه لم تُسعفها الثواني الأخيرة. لهذا لا يمكن قراءة قصص الناجين من قصف إسرائيل لغزة بوصفها شهادات فردية معزولة، بل باعتبارها سجلًا حيًا لجريمة متواصلة، ولحياة فلسطينية تُستهدف في تفاصيلها اليومية – من غرفة النوم إلى صف الخبز، ومن المدرسة إلى خيمة النزوح.
في غزة، لا تبدأ النجاة عند لحظة الخروج من تحت الأنقاض، ولا تنتهي عند الوصول إلى مستشفى أو مركز إيواء. كثيرون نجوا من القصف، لكنهم فقدوا أسرهم، أو أطرافهم، أو بيوتهم، أو قدرتهم على النوم من دون فزع. وهذا ما يجعل كلمة “الناجين” نفسها ناقصة إذا فهمت بمعناها الضيق. فالنجاة هنا مؤقتة، مشروطة، ومحمّلة بأعباء لا تقل قسوة عن لحظة الانفجار نفسها.
قصص الناجين من قصف غزة ليست أرقامًا
الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تقصف غزة تراهن دائمًا على تحويل الناس إلى إحصاءات. عدد الشهداء، عدد الجرحى، عدد البيوت المدمرة، عدد النازحين. لكن ما تكشفه قصص الناجين من قصف غزة هو أن كل رقم يحتوي عالَمًا كاملًا. أمّ كانت تعدّ الطعام لأطفالها، فاستيقظت في المستشفى تسأل عنهم واحدًا واحدًا. طفل خرج من تحت الإسمنت وهو يظن أن الليل لم ينتهِ بعد، لأن الغبار حجب النهار. أب نجا لأنه تأخر دقائق خارج المنزل، فعاد ليجد أن عائلته كلها سبقتْه إلى الشهادة.
أحد هؤلا الناجين هو الطفل عمر حازم أبوكويك، 6 سنوات. فقد في قصف الاحتلال منزلهم بالنصيرات في 6 ديسمبر/كانون الأول عام 2023 والده ووالدته وشقيقته وجده وجدته، وأُنقذ من تحت الركام بعد تعرضه لإصابة خطيرة في الرأس. لكن هذا ليس كل ما خسره عمر في هذا القصف، إذ خسر يده أيضاً.
هذه الشهادات لا تفضح فقط حجم إرهاب إسرائيل، بل تكشف طبيعته. نحن لا نتحدث عن أضرار جانبية كما تروّج الرواية الإسرائيلية ومن يكررها، بل عن استهداف منهجي للبنية المدنية وللنسيج الاجتماعي الفلسطيني. عندما تُقصف منازل مكتظة، أو مدارس تؤوي نازحين، أو محيط مستشفيات، فإن الرسالة ليست عسكرية فقط. الرسالة أن الفلسطيني في غزة يجب أن يبقى بلا ملاذ.
لحظة القصف كما يرويها الناجون
كثير من الناجين يصفون اللحظة الأولى بالطريقة نفسها تقريبًا: وميض، ثم فراغ سمعي، ثم غبار كثيف، ثم صراخ يأتي من كل اتجاه. غير أن التفاصيل الصغيرة هي ما يرسخ في الذاكرة. رائحة البارود الممتزجة بالإسمنت، صعوبة التنفس، محاولة تحريك اليد للتأكد أنها ما زالت في مكانها، والنداء بأسماء الأبناء قبل السؤال عن الجرح.
بعضهم يروي أنه لم يشعر بالانفجار نفسه، بل بما تلاه. جسد محشور بين كتل من الخرسانة، ظلام ثقيل، وإحساس بأن الوقت توقف. آخرون يتحدثون عن دقائق طويلة تحت الركام، سمعوا خلالها أنين أقاربهم ثم خفُت الصوت تدريجيًا. هذه ليست صورًا درامية تُستدعى للتأثير العابر، بل مكونات ثابتة في التجربة الفلسطينية داخل القطاع المحاصر والمستهدف.
واللافت أن كثيرًا من الناجين لا يبدأون روايتهم بأنفسهم، بل بغيرهم. امرأة تتحدث أولًا عن ابنتها التي كانت تمسك بثوبها، ورجل يذكر جاره الذي حاول إزالة الحجارة بيديه، وطفل يسأل عن أخيه قبل أن يجيب عن اسمه. حتى في ذروة الفاجعة، تبقى الجماعة حاضرة في الوعي الفلسطيني، كأن النجاة لا تكتمل ما لم يُعثر على الآخرين.
بين الركام والمستشفى والخيمة
المسافة بين مكان القصف ومكان “الأمان” في غزة ليست واضحة. من يخرج من منزل مدمر قد يصل إلى مستشفى مكتظ يفتقر إلى الدواء والكهرباء، أو إلى مدرسة تحولت إلى ملجأ، أو إلى خيمة لا تصد بردًا ولا حرًا. لذلك فإن شهادة الناجي تمتد زمنيًا ومكانيًا. القصف ليس لحظة واحدة، بل سلسلة متصلة من الانكشاف والعجز والانتظار.
في المستشفيات، يواجه الناجون صدمة أخرى. بعضهم يتعرف إلى أقاربه بين قوائم الشهداء أو في أكياس بيضاء. بعضهم يُبتر عضو من جسده من دون تخدير كافٍ بسبب الانهيار الصحي الناتج عن الحصار والاستهداف. وبعضهم يُطلب منه المغادرة سريعًا لإفساح المجال لأكثر إصابة. هكذا تتحول النجاة إلى مسار قاسٍ من المعاينة المستمرة للخسارة.
أما في الخيام، فتبدأ معركة أخرى أقل ظهورًا في الشاشات. كيف ينام من خرج للتو من تحت الأنقاض؟ كيف تهدأ أم نجت مع طفل واحد بينما لا تعرف مصير الباقين؟ وكيف يفسر أب لابنته أن البيت لم يعد موجودًا وأن العودة قد لا تكون قريبة؟ هنا تتجاوز قصة الناجي حدود الحدث الأمني إلى سؤال الوجود نفسه: كيف تُعاد صياغة الحياة بعد أن كُسرت بنيتها بالكامل؟
ما الذي تكشفه هذه الشهادات سياسيًا؟
الحديث عن الناجين ليس حديثًا إنسانيًا مجردًا، ولا ينبغي عزله عن سياقه السياسي. فالشهادة الفردية في غزة تفكك الخطاب الذي يحاول مساواة الجلاد بالضحية أو تصوير المجزرة كأنها اشتباك متكافئ. الناجي لا يروي فقط كيف سقط السقف فوقه، بل يروي أيضًا معنى أن يعيش شعب تحت حصار طويل، في مساحة مغلقة، محروم من الحماية ومن حقه الطبيعي في الأمن والتنقل والعلاج.
حين يكرر الناجون أنهم لم يتلقوا إنذارًا، أو أن المكان الذي لجؤوا إليه قُصف بعد نزوحهم، فإنهم ينسفون عمليًا دعاوى “الاستهداف الدقيق”. وحين يروون أن العائلات مُسحت من السجل المدني، فإنهم يضعون العالم أمام حقيقة لا تحتاج كثير شرح: هناك حرب على الإنسان الفلسطيني نفسه، لا على بنية عسكرية فحسب.
من هنا، فإن نشر هذه القصص ليس عملاً وجدانيًا فقط، بل واجب سياسي وإعلامي. الرواية الفلسطينية لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بتوثيق الصوت الذي خرج من تحت الردم وهو يقول ما رآه وما فقده. وهذا ما يجعل الشهادة جزءًا من معركة الوعي، لا مجرد مادة تعاطف عابرة.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد تعرضت (+39,022) أسرة للمجازر من الاحتلال “الإسرائيلي”. كما أباد الاحتلال (+2,700) ومُسحت من السجل المدني (بعدد 8,574 شهيداً). وأباد الاحتلال (+6,020) أسرة ومُتبقي منها ناجي وحيد (بعدد 12,917 شهيداً)، حتى أكتوبر 2025.
الناجون بين عبء الشهادة وحق الصمت
مع ذلك، ليست كل شهادة سهلة ولا كل ناجٍ قادرًا على الكلام. هناك من يكرر القصة عشرات المرات أمام الأطباء والصحفيين وأقارب الشهداء، حتى يشعر أن ذاكرته تحولت إلى مسرح مفتوح للفاجعة. وهناك من يرفض الكلام أصلًا، ليس لأنه لا يملك ما يقول، بل لأنه يعرف أن اللغة أحيانًا أضيق من حجم ما جرى.
هذا التفصيل مهم. فواجب التوثيق لا يعني انتزاع الكلام من الجريح، ولا تحويل الناجين إلى أدوات عرض. بعضهم يحتاج إلى أن يصمت، وبعضهم يحتاج إلى أن يتكلم بلغته هو، لا بلغة جاهزة تبحث عن لقطة مؤثرة. والاحترام الحقيقي للرواية يبدأ من الاعتراف بأن الشهادة حق، وليست فرضًا.
الأطفال في قصص الناجين من قصف غزة
أشد ما يكشف عمق الجريمة هو ما يظهر في شهادات الأطفال. طفل يسأل لماذا قُصف البيت وهو نائم. طفلة تربط بين الطائرات وصوت فقدان أمها. وآخرون يحفظون أسماء الشهداء في عائلاتهم أكثر مما يحفظون أسماء الألعاب. في هذه السن، لا تكون الصدمة مجرد ذكرى سيئة، بل عاملًا يعيد تشكيل الشخصية والخوف والإدراك واللغة.
الأطفال الناجون لا يحتاجون فقط إلى علاج جسدي، بل إلى بيئة مفقودة أصلًا في غزة المحاصرة: استقرار، ومدرسة آمنة، ومساحة لعب، وكهرباء لا تنقطع مع الليل، وأهل غير مثقلين إلى هذا الحد بالحزن والجوع والنزوح. لذلك فإن الحديث عن إنقاذ الأطفال لا يصح إذا اقتصر على إخراجهم أحياء من تحت الركام. الإنقاذ الحقيقي يعني وقف القصف، ورفع الحصار، ومحاسبة من جعل الطفولة الفلسطينية هدفًا مستباحًا.
لماذا تبقى هذه القصص ضرورية؟
لأن الحرب لا تُخاض بالصواريخ وحدها، بل بالسرد أيضًا. كلما طال العدوان، زادت محاولات تطبيع المشهد وتحويله إلى خبر متكرر يفقد أثره. هنا تحديدًا تعود قصص الناجين لتكسر الاعتياد القاسي. هي تذكير بأن ما يحدث ليس دورة عنف عابرة، بل عدوانًا مستمرًا على شعب له أسماء وبيوت وأحلام وذاكرة.
وهي أيضًا رد على محاولات المحو. الاحتلال لا يكتفي بالقتل، بل يسعى إلى السيطرة على توصيف ما يجري، وإلى فرض لغة تخفف من بشاعة فعله. أما الشهادة الفلسطينية، فتُبقي المعنى واضحًا: هناك قصف، وهناك ضحايا مدنيون، وهناك ناجون يحملون آثار الجريمة في أجسادهم وأصواتهم وأيامهم القادمة.
في هذا السياق، يظل دور المنصات الفلسطينية والعربية الملتزمة، ومنها المركز الفلسطيني للإعلام، أساسيًا في نقل هذه الشهادات بوصفها جزءًا من الحقيقة لا هامشًا عليها. فالرواية التي لا ينقلها أصحابها تُسرق أو تُشوَّه أو تُختزل.
ما يحتاجه الناجون من غزة ليس الشفقة، بل عدالة توقف القصف أولًا، ثم تصون الذاكرة من التزييف. وبينما يواصل كثيرون منهم البحث عن مفقودين أو مأوى أو دواء، تبقى شهاداتهم وصية مفتوحة: لا تنظروا إلى الركام وحده، بل إلى البشر الذين خرجوا منه وهم يحملون ما يكفي لاتهام هذا العالم بالصمت.




