المطاعم “والكوفي شوب” مقبرة لرؤوس الأموال
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
منافسة شديدة... الداخل فيها مفقود والخارج منها مديون.. والناجون مبتكرون
ما بين رائحة المجبـوس و “الكوفي” قصص مشاريع ماتت فـي صمت
خلال 10 سنوات خـسر الـسوق 4 آلاف مطعم
كثيرون يدخلون القطاع بحسابات ورقة وقلم مضللة
حسن الحلواجي: ليس كل "شيف" رجل أعمال.. وتخمة من الأفكار المكررة
أحمد السلوم: شركات التوصيل أكلت هوامش الربح
عارف خليفة: لا مكافأة للمستنسخ.. والبحريني أذكى من يخدع بـ "ترند"
محمد الرفاعي: إدارة مطعم أصعب من إدارة فندق
تقول القاعدة وهي تعمل على “البزنز” وفي العلاقات الغرامية أيضًا، “لا تثق في البدايات، كلهم رائعون في البداية”، بهذه القاعدة سأقرأ أول مشهد وأنا أسرده تباعًا.
شباب في شركة مختصة بالتطوير الاستثماري تعنى بمشاريع المطاعم، قصدهم مستثمرًا وصفوه “بدفيع جاد” اجتمع معهم طالبًا منهم إدارة مشروع مطعم يعنى بعلامة تجارية فارهة مع شيف لامع على مستوى الشرق الأوسط.
بدأت التحضيرات حتى ولد المشروع وانطلق في أحد المجمعات الشهيرة في البحرين. انطلاقة باهرة، زبائن كثر أكثرهم من الطبقة المخملية، إذا ذكر اسم المطعم تهابه من كثرة لمعان اسمه لدى الجماهير، الطاولات بالحجز المسبق بساعات وفي عطلة الأسبوع قبل يوم.
وبعد أشهر معدودات من افتتاحه، وقبل أن يبلغ فطامه في عمر “البزنز”، خفت الأرجل على المطعم، وتراجعت المبيعات، وبعدها بمرحلة بسيطة أصبح ميتًا سريريًا حتى أعلنت ساعة وفاته، حينها عرض للبيع وعرض وقتها أن تشغيل المطعم كان يكلف نحو 25 ألف دينار شهريًا!!
وعلى المقلب الآخر شاب بحريني يصارع الحياة من أجل وضع قدمه في الشارع التجاري، يقول لي “م. ج.” عن هذه القصة تجربته الأولى التجارية: لقد سأمت من العمل بوظيفة، واصفًا إياها “بالعبودية المختارة”، وأنه يعمل من أجل التحرر من هذه العبودية عبر مشروع تجاري يدر عليه الخير.
أخذ قرضًا وهو على رأس عمله، وتشارك مع صديقٍ له لافتتاح مطعم يقدم الوجبات الشعبية، ووضعا فيه كل مدخراتهما، مدفوعين بالحماس والأمل في نجاح سريع. في البداية، وخلال الشهرين الأولين، كان الإقبال جيدًا بفضل دعم الأصدقاء والأهل، فامتلأت الطاولات أحيانًا، واعتقدا أن المشروع يسير في الطريق الصحيح.
ينوه محدثي: “مع مرور الوقت، بدأت التحديات تظهر، تراجع عدد الزبائن تدريجيًا، وظهرت مصاريف لم تكن في الحسبان مثل الإيجار، الرواتب، الفواتير، والصيانة، ومع نهاية الشهر الثالث، أصبح واضحًا أن الإيرادات لا تكفي لتغطية التكاليف، وبعد ستة أشهر، أدركا أنهما اصطدما بالواقع؛ الديون بدأت تثقل كاهلهما، والضغط النفسي ازداد”.
واستدرك بالقول: جلسا ذات ليلة بعد إغلاق المطعم يتأملان الوضع، وتساءلا عن الأخطاء، أدركا أن الفكرة وحدها لا تكفي، وأنهما لم يدرسا السوق جيدًا أو يقدما ما يميزهما عن المنافسين، قررا محاولة التغيير بدل الاستسلام، فأعادا النظر في القائمة، وعدّلا الأسعار، واهتما بالتسويق عبر وسائل التواصل، واستمعا لآراء الزبائن.
وفقًا لحديثه فإنه بالرغم من بعض التحسن البسيط وعودة عدد محدود من الزبائن إلا أن “الماء غلب الطحينة” ، لم يكن ذلك كافيًا لإنقاذ المشروع. استمرت الفجوة بين المصاريف والإيرادات، وكل يوم عمل كان يعني خسارة جديدة. مرّ عام كامل مليء بالتعب والضغوط والمحاولات المستمرة.
وهنا أعلن النهاية موضحًا: بعد كل هذا الجهد تم اتخذا القرار الصعب بإغلاق المطعم، بعد أن تكبدنا خسائر بآلاف الدنانير، كانت لحظة مؤلمة، لكنها حملت معها درسًا مهمًا: الشغف وحده لا يكفي، والتخطيط وفهم السوق عنصران أساسيان لأي نجاح”.
نقطة الإنطلاق
في أزقة المنامة، وعلى امتداد واجهات “العدلية” المتلألئة، وفي زوايا “البسيتين” الصاعدة ومناطق شارع البديع البديعة، وفي كل الشوارع والمجمعات التجارية المغلقة والمفتوحة تروى كل حين حكاية ظاهرة مكررة، فصولها تبدأ برائحة المجبوس والشاورما والقهوة ووعود الأرباح الخيالية، وتنتهي بعبارة “المحل للبيع لدواعي السفر” أو تصفية صامتة تبتلع معها مدخرات العمر.
إنها ظاهرة “حمّى المطاعم” التي اجتاحت أذهان الشباب البحريني، حيث تحول قطاع الأغذية والمشروبات من نشاط تجاري يتطلب نفساً طويلاً وخبرة عميقة، إلى “ملاذ آمن” متخيّل لكل من أراد ولوج عالم الأعمال من أقصر أبوابه.
لقد ترسخت في الوجدان الاستثماري المحلي قناعة مغلوطة مفادها أن الطعام هو السلعة التي لا تبور، وأن “البطن لا ينسى صاحبه”، مما دفع عدد كثير من الشباب والراغبين في الاستقلال المالي والتجارة نحو هذا القطاع المزدحم أصلاً. غير أن هذه الاندفاعة العاطفية سرعان ما تصطدم بالهيكل الاقتصادي المعقد لهذا البزنز؛ حيث الهوامش الربحية التي تأكلها الإيجارات المرتفعة، وتكاليف المواد الأولية المتقلبة، وتحديات العمالة الماهرة، ناهيك عن ذائقة المستهلك البحريني “الصعبة” والمتغيرة بسرعة الضوء.
إن ما نشهده اليوم في السوق المحلي ليس مجرد حركة تجارية طبيعية، بل هو دورة حياة اقتصادية “قلقة” وقصيرة الأنفاس؛ مطاعم تولد بضجيج وتسويق مبهر، وسرعان ما تذبل وتخرج من الباب الخلفي للسوق، تاركة وراءها جرحاً مفتوحاً في جسد ريادة الأعمال الوطنية. الشباب الذين دخلوا السوق ظناً منهم أن الإدارة مجرد “وصفة شهية” وصورة على “إنستغرام”، وجدوا أنفسهم يغرقون في تفاصيل تشغيلية مضنية ومعادلات حسابية لا ترحم.
تفكيك المشهد
في هذا التحقيق، نضع يدنا على هذا الجرح النازف، لنفكك شيفرة العلاقة “الغريبة” بين الشاب البحريني وقطاع المطاعم. هل هو غياب للبدائل الاستثمارية؟ أم هو استسهال للنجاح؟ وكيف تحول الحلم بالرخاء السريع إلى كابوس من الديون والالتزامات؟ نغوص في لغة الأرقام وأنين الخسائر، لنبحث عن المخرج الآمن من هذه الدوامة التي لا تتوقف عن الدوران.
في البداية ونحن نسبر أغوار عالم الاستثمار في المطاعم نجد أن غالبية المشاريع لا تنطلق من فجوة في السوق أو ابتكار حقيقي، بل من “عدوى نجاح”، تجربة ناجحة هنا تستنسخ هناك، على افتراض أن الربح وصفة جاهزة تنتظر راعيها، متغافلين عن قاعدة أن السوق لا يكافئ الاستنساخ في الأفكار بحرينيًا بسبب ضيق السوق، بل يحوّل مثل هذه المشاريع إلى أنقاض يتركها على قارعة الشارع التجاري بهدوء.
ومع بلوغ السوق مرحلة “التخمة النوعية”، لم يعد التنافس على الجودة بقدر ما أصبح صراعًا على السعر، المستهلك أكثر انتقائية، وأقل انبهارًا، ما يدفع المطاعم المتشابهة إلى حرب خصومات تستنزف هوامشها الربحية الهشة أصلًا. وهكذا يجد الشباب الداخلين في هذا القطاع نفسهم أمام خيارين كلاهما مكلف: خسارة مستمرة أو خروج مبكر، وذلك لنتائج عدة.
أرقام كاشفة
وإذا كانت المشاهدات لسوق هذا القطاع الذي سرد أعلاه يفسر جانبًا من الإخفاق، فإن الأرقام تكشف الجانب الأعمق من القصة، وتشير إلى حجم التدفق إلى هذا القطاع، وحدة الخروج منه، وما بينهما من خسائر بعضه صامت وآخر صارخ لكن في الاثنين يخلف أوجاع وخسارات تقاس بالأميال .
ويتضح جليًا أن ما نراه لا يصنف بأنه نمو طبيعي، بل مسار متقلب يعكس اختلالا واضح في تواز السوق، ففي عام 2016 كان عدد السجلات التجارية المرتبطة بأنشطة المطاعم والمشروبات نحو 11 ألف سجل وفقًا لتصريح رسمي لعضو غرفة تجارة وصناعة البحرين عضو مجلس النواب أحمد السلوم، لكنه انخفض رسميًا إلى 7596 سجلا في 2025 بحسب التصريحات الرسمية.
وزير الصناعة والتجارة عبدالله فخرو أكد أن عدد السجلات المملوكة بالكامل للبحرينيين في 2025 في ذات القطاع يبلغ 5,532 سجلا.
هذا الثقل العددي للاستثمار المحلي يوضح أن الشاب البحريني لا يكتفي بدخول القطاع، بل يهيمن عليه أيضًا، ما يضاعف من حجم المخاطرة حين تتجه هذه الكتلة الكبيرة نحو نشاط واحد شديد الحساسية.
التذبذب في الأرقام واضح فعند العودة إلى عام 2023، نجد أن عدد سجلات المطاعم بلغ 6,806 سجلات، وقفز إلى بواقع 790 سجلا في هذا القطاع بعد سنتين.
هنا، لا تعكس الأرقام قصة توسّع بقدر ما تروي حكاية “دوران قاسٍ” لرأس المال؛ دخول مستمر يقابله خروج متكرر، دون استقرار حقيقي.
فارتفاع العدد مجددًا في 2025 بعد تراجعه في السنوات السابقة لا يعني بالضرورة تعافي القطاع، بل قد يشير إلى إعادة إنتاج نفس الدورة: مستثمرون جدد يدخلون السوق بذات التصورات القديمة، ليواجهوا المصير ذاته الذي واجهه من سبقهم.
التدفق في القطاع
وفي ظل هذا المسار المتذبذب، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا يستمر التدفق إلى قطاع أثبتت الأرقام أنه طارد بقدر ما هو جاذب؟ وهو ما يقودنا إلى تفكيك الدوافع الحقيقية خلف هذا الاندفاع، وهل هي قرارات مدروسة، أم مجرد رهانات عاطفية مكلفة؟
لم نكن بحاجة إلى كثير من البحث لنصل إلى الباحث الاقتصادي والمحاضر المصرفي المتخصص بالإقتصاد المجتمعي والسلوك الإستهلاكي وسياسات التقشف والإستثمار عارف خليفة؛ فاسمه يتكرر في كل حديث جاد عن الاقتصاد المجتمعي وسلوك المستهلك. جلسنا إليه نحاول تفكيك هذه الظاهرة من الداخل، لا من واجهات المطاعم، بل من عمق الأرقام والسلوك.
يبدأ حديثه من نقطة مفصلية: “ما بعد كورونا”، تحديدًا من 2021، انطلقت الطفرة في هذا القطاع، التمويل أصبح أسهل، وبرامج الدعم، وعلى رأسها “تمكين”، فتحت الباب واسعًا أمام الشباب، من أجل تمكينهم في سوق العمل.
وأضاف: لم يكن الدخول إلى قطاع المطاعم والمقاهي معقدًا كما في السابق، بل بدا أقرب إلى “فرصة جاهزة”: مشروع سريع، وتوظيف ممكن، وسوق يبدو متعطشًا. لكن، كما يصفها خليفة، كانت تلك “بداية الاندفاع لا بداية النضج”.
يقول: كثيرون تعلموا كيف يعدون القهوة كيف يصبحون (باريستا)، كثيرون فتحوا مطاعم، لكن قلة فقط تعلموا كيف يديرون مشروعًا. مشيرًا إلى أن الفجوة لم تكن في المنتج، بل في الإدارة؛ في فهم التكاليف، والتدفقات النقدية، والتخطيط طويل الأمد. منوهًا بأنه نصحهم: تعلموا الإدارة المالية والمهنية فإنه لا يكفي أن تكون بارعًا خلف آلة القهوة أو طنجرة العيش”.
المنافسة الشرسة
ثم يتوقف قليلًا قبل أن ينتقل إلى الصورة الأوسع: المنافسة.
يقول خليفة “المنافسة اليوم شرسة ليس انطباعًا، بل واقع، عدد المشاريع تضاعف، لكن السوق لم يتسع بالقدر نفسه، ومع ما بعد كورونا، ارتفعت كلفة كل شيء: الإيجارات، المواد الخام، الضرائب، المعادلة أصبحت أكثر قسوة وأقل تسامحًا مع الأخطاء.
ويتابع: غير أن التحوّل الأخطر لم يكن في السوق بل في المستهلك نفسه: سلوك المستهلك تغير، الطالب الذي كان ينفق 5 دنانير يوميًا في المقاهي، لم يعد قادرًا على ذلك، الأسعار ارتفعت، لكن الأجور بقيت شبه ثابتة، ما انعكس مباشرة على القوة الشرائية، خصوصًا في قطاع “الترفيه” الذي تعد المطاعم والكوفي شوب من جملتها، ومع تراجع الإنفاق العائلي، تراجع ما يضخ في جيوب الأبناء ووصلت الدائرة إلى انخفاض في قيمة المدفوعات والصرف على مثل هذه الماريع أي الإنعكاس كان مباشر.
وأردف قائلا: “النتيجة؟ عودة إلى البدائل الأرخص، الكوفي بدينار، لكن الكرك بربيتين بذات الكمية، الكفتيريات التي تبيع الكرك انتعشت أكثر من الكوفي شوبات”.
ليس كل شيء
يشير خليفة إلى ما يسميه “أزمة التميز”، خلال آخر عامين أو ثلاثة، بالكاد ظهرت تجارب مختلفة فعلًا. “كلها موجات، (ترند) اليوم آيسكريم باللوز، غدًا شيء آخر، لكنها هبات مؤقتة”. السوق، كما يقول، لم يعد يحتمل النسخ. “نحن بلد صغير لا يمكنك استنساخ نفس الفكرة عشر مرات وتتوقع نتائج مختلفة”.
مرتادو المطاعم وفق وصف خليفة، أصبحوا أكثر وعيًا من أصحاب المشاريع أنفسهم، يميزون المنتج المكرر بسرعة، ويمرّون عليه دون اكترا، والمشكلة ليست في قلة الفرص بل في غياب الخطة والابتكار”.
وبرر الأمر: في سوق كهذا، لا مكان للقرارات العاطفية، ولا فرصة حقيقية للمشاريع التي تبنى على “الكوبي بيست”، وحدها المشاريع التي تملك رؤية واضحة واستراتيجية مختلفة هي التي قد تنجو من هذه الدوامة.
أكثر صراحة
ويستكمل عارف خليفة قراءته للمشهد من زاوية أكثر صراحة، حيث ينقل بوصلة التحليل من “المستثمر” إلى “المستهلك” بوصفه اللاعب الأكثر حسمًا في هذه المعادلة.
يقول: المستهلك في البحرين ذكي يعرف السعر، ويميز الطعم الجيد، وذائقته أصبحت أعلى من أن تخدع بسهولة”، هذه الحقيقة غيرت قواعد اللعبة بالكامل، فالسوق لم يعد يستجيب للواجهة أو “الترند”، بل يختبر القيمة الفعلية، ويسقط سريعًا كل مشروع لا يقدم فرقًا حقيقيًا”.
وفي ظل هذا الوعي، تتفاقم المفارقة: منافسة مفرطة يقابلها تراجع في القدرة الشرائية، خصوصًا في القطاع الترفيهي، يوضح خليفة أن شريحة الدخل المتوسط وهي المحرك الأساسي لهذا القطاع أعادت ضبط إنفاقها، “العائلة التي كانت تخرج أربع مرات أسبوعيًا أصبحت تكتفي بمرة أو مرتين، ومع ثبات الأجور وارتفاع التكاليف، كان هذا التحول كافيًا لإرباك السوق بأكمله”.
وذكر أن الأمر لا يقف عند سلوك المستهلك، بل يمتد إلى بنية المشاريع نفسها، مئات دخلت السوق لكن بلا تميز، ارتفاع التكاليف التشغيلية، وتغير أنماط الإنفاق، جعلا من الاستمرار تحديًا يوميًا، بينما بقيت نقطة الضعف الأبرز في غياب الدراسات الجادة، منوهًا إلى أن دراسات الجدوى ضعيفة والاعتماد على الترند والنسخ (كوبي بيست) هو السائد، وهو ما يجعل كثيرًا من المشاريع تبدأ بخطأ وتنتهي به”.
قواعد المنافسة
ويضيف بعدًا آخر للمشهد: سيطرة شركات التوصيل على القطاع، ما أعاد تشكيل قواعد المنافسة، ورفع كلفة التشغيل، دون أن يوازي ذلك ارتفاع في العوائد، ورغم سهولة الدخول التي تغري الشباب، إلا أن غياب التميز يجعل الخروج هو النهاية الأكثر شيوعًا.
حتى على مستوى الشركات الكبرى، يرى خليفة أن الفرص لم تُستثمر كما ينبغي، فمع وجود موجات عزوف عن بعض العلامات، كان بالإمكان بناء “براندات بحرينية” قوية تملأ الفراغ، “لكن ذلك لم يحدث بالشكل المطلوب، في حين أن أسواقًا خليجية أخرى نجحت في خلق نماذج منافسة”.
جوهر الإشكالية
“يختتم خليفة حديثه بهذا الحديث: نحن لا نسعر بشكل صحيح، فالتسعير ليس رقمًا عشوائيًا، بل معادلة معقدة تشمل التكلفة، وهامش الربح، والعرض والطلب، والقوة الشرائية. متسائلا: “هل المنتجات اليوم مسعرة وفق دراسة حقيقية أم وفق الانطباع؟”.
وفي نهاية حديث خليفة يتضح أن في هذا المشهد، لا يبدو الإغلاق مجرد فشل فردي، بل جزء من “تصحيح مستمر” لسوق امتلأ بالأخطاء أكثر مما امتلأ بالفرص… ما يفتح الباب أمام محور أكثر حساسية: من يربح فعليًا من هذه الفوضى؟
تجارة في طبق بيض
وإذا كانت سلوكيات المستهلك وضغوط السوق قد كشفت جانبًا من الأزمة، فإن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى ما يحدث قبل فتح الأبواب أصلًا، لحظة القرار الأولى، حيث تبنى المشاريع أو تهدم على تصورات غالبًا ما تكون أبعد ما تكون عن الواقع.
من زاوية مختلفة، يفتح استشاري المشاريع محمد الرفاعي نافذة على ما يجري خلف الكواليس؛ في غرف الاستشارات، حيث تبدأ الحكاية قبل أن تتحول إلى لافتة مضيئة على واجهة محل.
يقول إن قطاع المطاعم هو الوجهة الأولى لمن لا يملك خلفية في عالم الأعمال. “يأتون بطلب استشارة لفتح مطعم، نسألهم: ماذا تعرفون عن هذا المجال؟ فيكون الجواب: نراه ناجحًا والناس تقبل عليه”. هكذا، ببساطة، تبنى الفكرة.
ويضيف: بعضهم يجري حسابات سريعة فاتورة بخمسة دنانير، عشر طاولات في الساعة ثم يخرج بنتيجة واحدة: “هذا مشروع يدر ذهبًا”. لكن هذه الحسابات، كما يصفها، لا ترى إلا السطح، وتتجاهل ما تحته من تعقيدات.
يحاول الرفاعي تفكيك هذا الوهم: “يعتقدون أن الأمر مجرد تقطيع طماطم، وخلطها مع البيض، وشراء خبز”… بينما الحقيقة، على النقيض تمامًا. فالمطاعم والمقاهي وفقًا لتأكيد الرفاعي من أعقد المشاريع في العالم، بل ويذهب أبعد من ذلك حين يقول إنها “أصعب من إدارة فندق”.
ويعلل: شبكة شبكة متداخلة من التفاصيل التي لا تحتمل الخطأ: إدارة يومية دقيقة للمبيعات، تسعير محسوب للمنتج، تسويق فعّال، ضبط للتكاليف، ومراقبة مستمرة للجودة. “أي خلل في هذه المنظومة كفيل بإسقاط المشروع”.
ويختصر الرفاعي معادلة النجاح في “ثالوث حاسم”: تسويق قوي، جودة مرتفعة، وسعر معتدل، دون هذا التوازن، تبدأ الديون بالتراكم، وتتحول السوق إلى دائرة مغلقة “يبيع فيها الخاسر على خاسر آخر”… إلى أن ينتهي الأمر بالإغلاق.
تدخل الجهات المعنية
يطرح الرفاعي مقترحًا: ضرورة تدخل الجهات المعنية عبر برامج تدريبية مكثفة ومدعومة، تستهدف الراغبين في دخول هذا القطاع، وتغطي الجوانب الإدارية والمالية والتشغيلية لكل نوع من المطاعم، “التأهيل قبل الترخيص”. كما يراه، قد يكون الفارق بين مشروع يعيش، وآخر يضاف إلى قائمة الإغلاقات.
في هذا السياق، لا تبدو المشكلة في قلة الفرص، بل في سهولة الدخول دون جاهزية وهي معادلة تفسر لماذا يبدأ كثيرون بحلم وينتهون بديون.
طبقة أعمق
وإذا كانت الأخطاء تبدأ من الفكرة، وتتضخم مع سوء الإدارة، فإن هناك طبقة أعمق من الأزمة لا تظهر على السطح… أسباب خفية لا تُقال كثيرًا، لكنها كما يؤكد بعض المطلعين هي التي تُسقط المشاريع من الداخل، حتى وإن بدا كل شيء “طبيعيًا” من الخارج.
ومن واقع خبرته الميدانية في تصفية مشاريع المأكولات والمشروبات، يقدم حسن الحلواجي قراءة مختلفة تمامًا للمشهد؛ قراءة لا تكتفي بتفسير الإغلاق عبر “ضعف السوق” أو “تراجع القوة الشرائية”، بل تذهب إلى ما هو أعمق وأكثر حساسية.
يقول إن أكثر ما يلفت الانتباه هو الشراكات الخاطئة؛ حيث تبدأ كثير من المشاريع بحماس الأصدقاء، لا بمنطق الأعمال، “مشروع الحلم” يولد في مجموعة واتساب، برؤوس أموال متقاربة، واتفاقات شفهية، دون عقود واضحة أو توزيع دقيق للأدوار، ومع أول اختبار حقيقي التزامات مالية، ضغط تشغيل، اختلاف رؤى تبدأ التصدعات، يتراجع أحدهم، يختلف آخر، وتتحول الشراكة إلى نزاع، ينتهي غالبًا ببيع المشروع أو إغلاقه.
جانب إنساني
ثم يشير الحلواجي إلى جانب إنساني يغيب عن التحليل الاقتصادي: الوفاة أو الظروف الصحية، مشاريع ناجحة تعرض للبيع لا بسبب فشلها، بل لظروف قاهرة. لكن المجتمع كما يقول يسيء قراءة المشهد، ويختزله في جملة قاسية: “لو فيه الخير ما رماه الطير”، دون إدراك أن خلف هذا القرار قصة مرض أو فقد.
وعند العودة إلى شماعة “القوة الشرائية”، يطرح الحلواجي تصحيحًا مهمًا: المشكلة ليست فيها وحدها، بل في المنافسة غير المدروسة، فالكثير من المشاريع أُنشئت بدافع الشغف بالطبخ، لا بفهم عميق لإدارة الأعمال، “ليس كل شيف رجل أعمال” فالمطعم لا يدار بالمهارة في المطبخ، بل بمنظومة كاملة: تشغيل، تكاليف، موارد بشرية، سلاسل إمداد، وتسويق.
نسخ ولصق
ويضيف بوضوح: السوق يعاني من تشبع بالمشاريع المقلدة؛ نفس الأفكار تتكرر بلا دراسة أو تميز، حتى تجاوز العرض الطلب، والنتيجة لا تقتصر على خسارة صاحب المشروع فقط، بل تمتد إلى صاحب العقار، والجهات الحكومية، وسوق العمل، مع ما يرافق ذلك من آثار على معدلات البطالة.
وفي مقابل هذا التشخيص، يطرح الحلواجي حلولًا عملية، تبدأ من تنظيم الدخول إلى السوق، يقترح إنشاء جهة استشارية تراجع طلبات المشاريع الجديدة قبل الترخيص، ليس بهدف التعطيل، بل للتوجيه بناءً على المنطقة، وكثافة المنافسة، ونوع النشاط، جهة تضع المستثمر أمام الواقع، وربما تدفعه لإعادة التفكير قبل فوات الأوان.
كما يدعو إلى اختبار كفاءة المستثمر نفسه، عبر تقديم دراسة مبسطة تقيّم فهمه لنشاطه، وآلية إدارته، وتصوره للتكاليف والتشغيل، فالمشكلة وفقًا لرؤيه ليست فقط في فشل المشروع، بل في الأثر المتسلسل لهذا الفشل على الموظفين والاقتصاد ككل.
تحولات نماذج العمل
وإذا كانت الأسباب الخفية قد كشفت هشاشة البنية الداخلية للمشاريع، فإن زاوية أخرى من المشهد تتصل مباشرة بقواعد السوق نفسها، حيث لم يعد النجاح قرارًا فرديًا، بل نتيجة توازن دقيق بين قوى العرض والطلب، وتغيرات السلوك، وتحولات نماذج العمل.
و موقعه كعضو في غرفة صناعة وتجارة البحرين ورئيس اللجنة المالية في مجلس النواب، يقدم أحمد السلوم قراءة ترتكز على منطق السوق وأدواته الصارمة.
يقول إن نجاح هذه المشاريع لا يقاس بالانطباعات، بل تحكمه معادلة واضحة: العرض والطلب، وكفاءة الإدارة، وقبل ذلك الابتكار. فالدخول إلى سوق مزدحم دون فكرة متفردة يعني ببساطة الدخول في منافسة خاسرة منذ البداية. “المنتج يجب أن يملك ميزة مع كافة أدوات القوة في الإدارة والتسويق، وإلا سيبتلع في زحام الخيارات”.
لكن هذه المعادلة لم تعد ثابتة كما كانت، يشير السلوم إلى أن هوامش الربحية تآكلت بشكل ملحوظ، خصوصًا بعد صعود شركات التوصيل التي أعادت توزيع العوائد داخل القطاع، ولم يعد المطعم يحتفظ بنفس حصته، فيما ارتفعت التكاليف التشغيلية المرتبطة بهذا النمط الجديد.
في الوقت ذاته، تغيّر سلوك المستهلك البحريني، يذكر السلوم أنه “لم يعد يقصد الناس المطاعم والمقاهي كما في السابق”، يقولها بوضوح، في إشارة إلى تحول تدريجي من “الخروج” إلى “الطلب”، وهو تحول أعاد تشكيل السوق بالكامل.
هذا التغير دفع بعض المستثمرين إلى إعادة التفكير في نموذجهم التشغيلي، لم يعد “المطعم التقليدي” هو الخيار الوحيد، بل ظهرت تحولات نحو المطابخ السحابية، وإغلاق صالات الاستقبال، والتركيز على التوصيل فقط، كوسيلة لتقليل التكاليف ومواكبة السلوك الجديد.
لكن حتى هذا التحول، كما يفهم من حديثه، ليس حلًا سحريًا، بل تكيف اضطراري مع واقع يتغير بسرعة.
واختتم السلوم حديثه في هذا السياق، بحديث أكثر وضوحًا: السوق لم يعد كما كان ومن لا يعيد قراءة قواعده، سيبقى يحاول الفوز في لعبة تتغير موازين الربح والخسارة فيها بصورة مستمرة.
أين يقف المستثمر؟
في نهاية هذا التحقيق، لا تبدو المطاعم مجرد مشاريع تتعثر وتغلق، بل مرآة تعكس اختلالًا أعمق في فهم الاستثمار نفسه.
من شوارع المنامة إلى واجهات العدلية والبسيتين وشارع البديع وكل مجمع مفتوح ومغلق، تتكرر القصة بذات التفاصيل: اندفاع سريع، تشابه قاتل، أرقام مضللة، ومنافسة لا ترحم.
وما بين وهم السهولة الذي تحدث عنه محمد الرفاعي، وتحولات السلوك التي رصدها عارف خليفة، والأسباب الخفية التي كشفها حسن الحلواجي، وصولًا إلى معادلة السوق التي رسمها أحمد السلوم تتكامل الصورة لتقول شيئًا واحدًا: المشكلة ليست في قطاع المطاعم بل في الطريقة التي ندخل بها إليه.
والسوق البحريني لم يعد سوقًا “بكرًا”، والمستهلك لم يعد سهل الإرضاء، والتكاليف لم تعد قابلة للتجاهل، والنجاح لم يعد يبنى على الحماس أو التقليد، كل مشروع لا يقوم على دراسة حقيقية، وتميز واضح، وإدارة صارمة هو مشروع مؤجل الإغلاق، مهما بدا لامعًا في بدايته.
وفي المقابل، لا يعني هذا أن القطاع ميت أو طارد بطبيعته، بل هو كغيره يكافئ من يفهمه بعمق، ويعاقب من يستهين بتعقيداته.
وما بين رائحة البداية، وصمت الإغلاق تقف حقيقة واحدة وهي: النجاح في هذا القطاع ليس لمن يدخل السوق مهرولا، بل لمن يملك ذخيرة التميز والإدارة والتسويق وقراءة المتغيرات.





