المستنقع الإيراني: المفاجأة التي توقّعها الجميع
•(نشر هذا المقال بالإنجليزية، في موقع آسيا تايمز في 22 حزيران الحالي) ثمّة مفارقة مميزة، من تلك التي يفضّلها التاريخ، في أن الولايات المتحدة التي أطلقت نهاية شباط الفائت حربًا بهدف تدمير إيران ومنعها...
•ليس هذا أمرًا جديدًا، وإنما نمط متكررٌ.
•ويمكن لأيّ متابع للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط على مدى العقود الثلاثة الماضية أن يدرك ذلك على الفور، لأن هذا الأمر حدث من قبل، ولأن الكثيرين منّا قالوا مرارًا إنه سيحدث مرة أخرى.
هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: حبر | Source: حبر(نشر هذا المقال بالإنجليزية، في موقع آسيا تايمز في 22 حزيران الحالي)
ثمّة مفارقة مميزة، من تلك التي يفضّلها التاريخ، في أن الولايات المتحدة التي أطلقت نهاية شباط الفائت حربًا بهدف تدمير إيران ومنعها من أن تكون قوّة إقليمية، انتهى بها الحال بدلًا من ذلك إلى ترسيخ هيمنة إيران.
ليس هذا أمرًا جديدًا، وإنما نمط متكررٌ. ويمكن لأيّ متابع للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط على مدى العقود الثلاثة الماضية أن يدرك ذلك على الفور، لأن هذا الأمر حدث من قبل، ولأن الكثيرين منّا قالوا مرارًا إنه سيحدث مرة أخرى.
قلت في كتابي «مستنقع: الولايات المتحدة في الشرق الأوسط» عام 1992 إن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة استراتيجية في أن تصبح الحَكم الدائم في سياسات الشرق الأوسط، ولا تمتلك القدرة العسكرية أو الثقافية أو المؤسسية لإعادة تشكيل المنطقة على صورتها. وفي العام 2005، قلت في كتابي «عاصفة رملية» إن غزو العراق لم يقلل من قوة إيران بل ضاعفها بشكل هائل، من خلال القضاء على الثقل الموازِن الإقليمي الرئيسي لطهران، ومنح الأغلبية الشيعية في البلاد دولة.
كان رد واشنطن على كلتا الحجتين، آنذاك والآن، إصدار المزيد من أوراق المراكز البحثية، وتحديد مواعيد لمزيد من جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ، وشن المزيد من الحروب.
والآن، نحيا في أعقاب أحدث نسخة من هذه الكارثة، وأصبحت الصورة واضحة بشكل لا لبس فيه: لم تخرج إيران من حرب 2026 قوة منهارة، وإنما قوة مهيمنة في منطقة الخليج.
صحيح أن القيادات الإيرانية التي وعد ترامب بالتخلص منها قد جرى استبدالها، ولكن هذا البديل إنما كان قيادة عسكرية أكثر صرامة وشبابًا وكفاءة بقيادة مجتبى خامنئي والحرس الثوري. وهي قيادة تخلّصت من الموقف الدفاعي للجيل المؤسس واعتمدت الحسابات الاستراتيجية الباردة لدولة تُدرك أنها نجت، وتدرك ما الذي نجت منه.
هذه ليست إيران التي وقّعت على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). هذه إيران التي خاضت حربًا وانتصرت فيها.
لنكن دقيقين بشأن ما يعنيه «الانتصار» هنا، لأن المدافعين عن واشنطن سيعترضون على هذا المصطلح. لم تنتصر إيران بمعنى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًّا، فلا أحد يزعم أن الحرس الثوري هزم الأسطول السابع. لقد انتصرت إيران بالمعنى الذي يهمّ استراتيجيًا: فقد حافظت على النظام، وأثبتت مرونة قدراتها العسكرية والصناعية، وقوّضت الإرادة السياسية لخصومها مانعة إيّاهم من مواصلة الحرب، وخرجت من هذه المحنة بشرعية معزّزة على الصعيد الداخلي ومكانة مرموقة في جميع أنحاء المنطقة.
نجت إيران من محاولة «قطع الرأس»، وأعادت تشكيل قوتها الصاروخية بسرعة فاقت التوقعات. وهي تسيطر الآن عمليًا على مضيق هرمز بطريقة تمنحها نفوذًا على الاقتصاد العالمي بشكل لا يمكن لأي قدر من الوجود البحري الأمريكي أن يبطله بسهولة.
أعلن ترامب «انتصارًا كاملًا وتامًا» في أوائل آذار. وبحلول حزيران تغيرت الصورة تمامًا. وهذا أيضًا نمط متكرر. يتمتع الساسة الأمريكيون بموهبة فذّة في إعلان النصر في اللحظة التي تبدأ فيها عواقب الحرب بالتراكم.
لطالما حذّر منظّرو التيار الواقعي في السياسة الخارجية الأمريكية من هذا السلوك بالذات. وحذّروا من أن للدول مصالح وطنية متجذرة في الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا لا يمكن القضاء عليها بالقصف.
وقد حذرتُ سابقًا من أن إيران، تلك الحضارة التي تمتد لثلاثة آلاف عام ويبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة وتتمتع بموقع استراتيجي على أهم الممرات المائية في العالم، ليست مشكلة يمكن حلها بحملات جوية، وأن أوهام تغيير النظام التي ينغمس فيها أشخاص لم يقرؤوا كلاوزفيتز بجدية قط، لا تنتج حكومات خانعة، وإنما نسخًا راديكالية وقومية ومُعسكرة من الخصم الذي سعت للقضاء عليه.
وقد أدركت دول الخليج ذلك، ولهذا السبب أعلنت معارضتها للحرب بشكل علني غير معتاد. تعيش هذه الدول إلى جوار إيران، ولا يمكنها أن تخطئ في تقدير خصم ضعيف مؤقتًا على أنه خصم مهزوم نهائيًا. كانت دول الخليج تعلم أن إيران ما بعد الحرب، مهما كان تشكيلها الداخلي، ستظل موجودة في الصباح التالي، وأن عليها التفاوض بشأن شروط التعايش معها لفترة طويلة بعد أن تعود حاملات الطائرات الأمريكية إلى الديار.
لم تكن الحسابات الخاطئة التي أدت إلى هذه النتيجة إخفاقات استخباراتية بالمعنى الضيق للكلمة. فقد كانت المعلومات الاستخباراتية حسب معظم الروايات دقيقة حول قدرات إيران العسكرية، وحول متانة بنيتها التحتية الصاروخية الموزعة على أنحاء البلاد، وحول استعداد الحرس الثوري لخوض حرب طويلة.
كان الفشل سياسيًا واستراتيجيًّا، فشلًا في التقدير على أعلى المستويات متجذرًا في التفكير العجيب نفسه الذي أرسل الجيش الأمريكيّ إلى بغداد في عام 2003 متوقعًا أن يُستقبل بالورود.
أقنعت واشنطن نفسها بأن ضبط النفس الذي أبدته إيران عاميْ 2024 و2025 كان دليلًا على الضعف. لكنه كان، كما كتبتُ في ذلك الوقت، دليلًا على الصبر.
درست القيادة الإيرانية حرب العراق عام 2003. كما درست التدخل الغربي في ليبيا عام 2011. وتوصلت إلى الاستنتاج نفسه الذي سيتوصل إليه أي محلل استراتيجي جاد: تميل العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة إلى أن تكون سريعة في مراحلها الافتتاحية ثم تصبح عديمة الجدوى بشكل متزايد بعد ذلك. وبالتالي فإن الاستراتيجية المثلى للخصم المستهدف هي النجاة من الضربة الأولية، والحفاظ على القدرات، وانتظار تآكل الإرادة السياسية الأمريكية.
هذه ليست رؤية جديدة. إنها المنطق الاستراتيجي الذي اتسمت به كل الحملات غير المتكافئة الناجحة تقريبًا خلال نصف القرن الماضي. والعواقب التي تُسجَّل الآن في جميع أنحاء الشرق الأوسط كان يمكن لأي شخص، لا تقوده الأمنيات، أن يتوقعها.
لقد تضررت مصداقية الولايات المتحدة لدى شركائها في الخليج تضررًا بالغًا، ليس لأن أمريكا شنت حربًا، بل لأنها شنت حربًا رغم اعتراضاتهم الصريحة، وألحقت بهم أضرارًا اقتصادية من خلال تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أقساط التأمين بشكل هائل، ثم فشلت في تحقيق الأهداف التي وعدت بأنها ستبرر هذه العملية.
أثبتت الولايات المتحدة، مرة أخرى، أنها شريك لا يمكن التنبؤ به، وأن التزاماتها الاستراتيجية الكبرى تخضع لحماس أي إدارة تصادف أن تكون في السلطة.
في غضون ذلك، استخلصت القيادة الإيرانية الجديدة درس الحرب بوضوح، وهو ما يحدث عادةً بعد تجارب الاقتراب من الموت. فقد تخلصت من معاداة أمريكا الاستعراضية التي سادت في عهد الخميني، واستبدلتها بهدف أكثر قابلية للتحقق، وبالتالي أكثر خطورة: توجه استراتيجي يركز على الردع من خلال مراكمة القدرات بدلًا من الردع من خلال الخطاب.
الجيل الجديد الذي يدير الجمهورية الإسلامية لم يَصِل إلى السلطة دفاعًا عن ثورة، وإنما لإدارة دولة نجت لتوها من محاولة قوة عظمى لتدميرها. وهذا نوع مختلف من السلطة، وينتج نوعًا مختلفًا من السياسة الخارجية.
لقد كتبت عن الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية على مدى أربعة عقود. وخلال تلك الفترة، شاهدتُ واشنطن تقع في الفئة ذاتها من الأخطاء بثباتٍ لافت للنظر: فهي تخلط بين الرغبة في بلوغ نتيجة معينة، وبين التحليل الموضوعي اللازم لتحقيقها، وتخلط كذلك بين الهيمنة العسكرية والنفوذ السياسي، كما تمتنع قبيل أي تدخل عن طرح السؤال الذي اعتبره كلاوزفيتز الواجب الأول على أي رجل دولة: ما طبيعة الحرب التي نحن بصدد خوضها، وما هي غاياتها الواقعية؟
لو طُرِح هذا السؤال بجدية بداية 2026، لكانت الإجابة تشير إلى ضرورة الدخول في تفاوض يحدّ من البرنامج النووي الإيراني، وإلى استراتيجيات الاحتواء والردع الصبورة التي أدارت التهديد السوفيتي لأربعة عقود دون تبادل نووي، وإلى الاعتراف بأن بلدًا بحجم إيران وتاريخها وموقعها الاستراتيجي لا يمكن إزالته من المعادلة الإقليمية بل يجب بدلًا من ذلك إدارته.
باختصار، كانت الإجابة ستشير إلى العمل الدبلوماسي الممل وغير البراق والمتطلب مؤسسيًا، والذي تميل المؤسسة المعنية بالسياسة الخارجية إلى اعتباره غير مرضٍ كفاية.
بدلًا من ذلك، حصلت الولايات المتحدة على حرب. وعند استعراض المشهد في الشرق الأوسط بعد الحرب، مع ترسيخ القيادة الإيرانية الجديدة لحكمها، وارتفاع مكانتها الإقليمية، وتثبيت سيطرتها على الممرات المائية الحيوية بشكل أقوى من أي وقت مضى، ووصول النفوذ الأمريكي لدى شركائها في الخليج إلى أدنى مستوياته منذ عقود، لا يسعنا إلا أن نتأمل مرة أخرى الفجوة بين ما وُعد به وما تم تحقيقه.
القوة المهيمنة التي سعت الولايات المتحدة إلى تدميرها، هي نفسها التي أوجدتها. هذا هو الدرس المستفاد. أما ما إذا كانت واشنطن قادرة على تعلّمه، فهذا يظل كالعادة سؤالًا مفتوحًا.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




