المسار الأمريكي لحل نزاع الصحراء.. هل تهدد حرب إيران الزخم الدبلوماسي؟
تشهد قضية الصحراء المغربية دينامية دبلوماسية غير مسبوقة منذ بداية عام 2026، في ظل تحركات أمريكية مكثفة تهدف إلى إعادة إطلاق المسار السياسي للنزاع ودفعه نحو تسوية نهائية في أفق زمني قصير، إذ يعكس تواتر الجولات التفاوضية خلال أسابيع معدودة، بين واشنطن أواخر يناير، ومدريد يومي 8 و9 فبراير، ثم مجددا في واشنطن يومي 23 و24 من الشهر ذاته، تحولا لافتا في مقاربة إدارة الملف، قائمًا على تسريع الإيقاع بدل إطالة أمد المفاوضات كما كان سائدا في السنوات الماضية.
غير أن تطورات الشرق الأوسط، خصوصا الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي دخلت يومها 28، تثير تساؤلات حول مدى تأثير هذه الأزمات على مسار المباحثات، إذ قد تتعرض لضغوط وتحديات جيوسياسية إذا استمرت الأزمة في استنزاف الانتباه والموارد الدبلوماسية للولايات المتحدة، القوة الفاعلة حاليًا في قيادة هذا المسار.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن الإدارة الأمريكية تسعى إلى بلورة اتفاق إطار قبل منتصف 2026، كخطوة تمهيدية نحو حل نهائي للنزاع، ضمن تصور يقوم على مقاربة “رابح–رابح” لجميع الأطراف، إذ تركز المباحثات الجارية أساسًا على تنزيل مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب، مع العمل على صياغة آليات تطبيقه بشكل عملي وقانوني، بما يضمن قابليته للتنفيذ على أرض الواقع.
وتجري هذه المفاوضات بمشاركة الأطراف الرئيسية في النزاع، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وممثلي عن جبهة البوليساريو الانفصالية، بحضور المبعوث الأممي، غير أن الجديد في هذه المرحلة يتمثل في انتقال مركز الثقل من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، التي باتت تمسك فعليًا بزمام الملف وتحدد إيقاعه وأجندته، في حين يقتصر دور المنظمة الأممية على المواكبة والدعم.
في هذا السياق، يرى الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عبد العالي سرحان، أن هذا التسارع يعكس إرادة أمريكية واضحة لتحقيق اختراق دبلوماسي في ظرف زمني وجيز، مشيرًا إلى أن “التحركات الحالية تختلف نوعيًا عن سابقاتها من حيث كثافتها الزمنية وطبيعة الإشراف المباشر لواشنطن، ما يوحي بوجود رغبة حقيقية في الانتقال من إدارة النزاع إلى حله”.
غير أن هذا المسار لا ينفصل عن السياق الدولي الأوسع، خصوصًا في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط خلال مارس الجاري، إذ يعتبر سرحان أن هذه التحولات قد يكون لها تأثير مباشر وغير مباشر على دينامية المباحثات، موضحًا أن انخراط الولايات المتحدة في أزمات حادة بالمنطقة، سواء المرتبطة بالتوتر مع إيران أو تداعيات المواجهات الإقليمية، قد يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدبلوماسية، ما قد يؤدي إلى تباطؤ نسبي في الزخم الذي طبع الجولات الأخيرة.
في المقابل، يبرز الباحث في تصريحات لجريدة “مدار21” الإلكترونية، احتمالا معاكسا يتمثل في سعي واشنطن إلى تحقيق “اختراق سريع” في ملف الصحراء، لتقديمه كنموذج نجاح دبلوماسي يعزز صورتها كوسيط دولي فعال، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الشرق أوسطي، مشيرا إلى أن “النجاح في هذا الملف قد يُستخدم لإعادة التوازن إلى صورة السياسة الخارجية الأمريكية، في لحظة تتسم بتعدد بؤر التوتر”.
ومن زاوية أخرى، يشير الباحث إلى أن بعض أطراف النزاع ترتبط بشكل غير مباشر بتوازنات الشرق الأوسط، سواء عبر التحالفات السياسية أو الاصطفافات الجيوسياسية، ما يعني أن أي تصعيد إقليمي قد يدفع هذه الأطراف إلى التشدد في مواقفها التفاوضية، مستفيدة من انشغال القوى الكبرى أو من إعادة تشكيل التحالفات الدولية.
كما لفت في حديثه للجريدة إلى أن تداعيات الأزمات في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة قد تلعب دورًا مؤثرًا في مواقف بعض الفاعلين، إذ إن ارتفاع أسعار النفط والغاز يمكن أن يمنح دولًا مثل الجزائر هامشًا ماليًا وسياسيًا أوسع، ما قد ينعكس على درجة مرونتها داخل المفاوضات، سواء في اتجاه مزيد من الانفتاح أو التشدد.
ويؤكد سرحان أن البيئة الدولية العامة تظل عاملًا حاسمًا في فرص التسوية، موضحًا أنه “إذا قادت أزمات الشرق الأوسط إلى تعزيز منطق تصفية النزاعات لتفادي تعدد بؤر التوتر، فقد يتحول ملف الصحراء إلى أولوية ضمن مقاربة دولية أوسع لتحقيق الاستقرار، خصوصًا في الفضاء المتوسطي-الأطلسي، أما في حال انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد العالمي، فقد يتراجع الاهتمام الدولي بالملف، ويُعاد إدراجه ضمن قائمة النزاعات المجمدة”.
وبين هذين الاحتمالين، يخلص المتحدث إلى أن تأثير أحداث الشرق الأوسط على مسار مفاوضات الصحراء يظل مزدوجًا؛ إما محفزًا لتسريع الحل في إطار دينامية دولية لتخفيف التوترات، أو عاملًا لتأجيله في حال هيمنة أولويات أكثر إلحاحًا على الأجندة الدولية، وهو ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه هذا المسار.
ظهرت المقالة المسار الأمريكي لحل نزاع الصحراء.. هل تهدد حرب إيران الزخم الدبلوماسي؟ أولاً على مدار21.





