تستعد الطائفة المرشدية في سوريا لإحياء عيد “الفرح بالله” في 25 من آب الحالي، في مناسبة دينية تمتد احتفالاتها ثلاثة أيام، وتتداخل فيها الطقوس الروحية مع مظاهر الفرح والتكافل الاجتماعي.
وتتنوّع الفعاليات المصاحبة للعيد بين طقوس دينية وشعائر اجتماعية تعزز القيم الروحية والتكافلية للطائفة، على الرغم من التحديات الاقتصادية والمعيشية الراهنة التي أثرت بشكل ملحوظ على آليات التحضير ومظاهر الاحتفال المعتادة.
استعدات مبكرة وتقديس لـ”بهجة العيد”
تتحول المنازل السورية التابعة لأبناء الطائفة المرشدية إلى ورشات عمل قبل شهر كامل من حلول المناسبة، إذ تشمل التحضيرات تنظيفًا شاملًا للبيوت، وتزيين الشرفات والحدائق بالورود، واقتناء الملابس الجديدة.
ونظرًا إلى أن “الفرح” يمثل ركيزة عقائدية ومقدسة في هذا العيد، يعتمد الأهالي على استراتيجية ادخار مالي تمتد على مدار العام بأكمله لضمان إحياء هذه الطقوس.
وتأتي هذه الجهود الذاتية للتغلب على تراجع القدرة الشرائية الحاد وارتفاع تكاليف المعيشة التي تواجهها معظم الأسر السورية، بهدف الحفاظ على تفاصيل الاحتفال التقليدية من إعداد للحلويات الخاصة وشراء مستلزمات العيد.
كما تتسم صباحات العيد بحركة اجتماعية نشطة، حيث يتنقل الأهالي والجيران لتبادل التهاني بالعبارة التقليدية: “هنّأكم الله على الإيمان”، ليرد الطرف الآخر بالدعاء: “وأسعد حياتكم”.
ولا تقتصر ثقافة الفرح لدى أبناء الطائفة على الأعياد والمناسبات السعيدة فحسب، بل تمتد لتشمل فلسفتهم تجاه الموت، انطلاقًا من خلفية روحية ترى في الوفاة انتقالًا إلى مكان أفضل ولقاء بالخالق.
وينعكس هذا المفهوم في طقوس التعزية، إذ يُقال لأهل الفقيد: “أحسن الله خلاصه”، ويكون الرد المعتاد بعبارة: “شكرًا لك”.
ومع حلول المساء، تتدفق الحشود نحو الساحات والصالات المخصصة للاحتفال، إذ يستمر الرقص الشعبي حتى الصباح الباكر على وقع الأغاني والأناشيد المرشدية الخاصة.
وخلافًا للأقاويل الشائعة، فإن هذه الاحتفالات ليست سرية على الإطلاق.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يُشكل شهر آب موسمًا تجاريًا حيويًا ومحركًا رئيسًا لأسواق المناطق ذات الكثافة المرشدية، لا سيما قطاعي الحلويات والألبسة.
وتشهد هذه الأسواق حركة شرائية نشطة وتدفقًا للإعلانات الطرقية لتلبية الطلب المرتفع قبل العيد، مما يوفر رافعة مالية مؤقتة وانتعاشًا لأصحاب المحال التجارية وسط الركود العام.
لمحة عن المرشدية
بحسب التعريف الوارد في كتاب “لمَحَات حول المرشدية” لمؤلفه نور المضيء مرشد، تُصنّف المرشدية كـ”دين وليست حزبًا سياسيًا”.
رغم هذا التعريف، فإن الأغلبية العظمى من الأدبيات والكتابات التاريخية التي بحثت في نشأتها، تُشير في خلاصاتها إلى أنها طائفة انشقت عن العلويين في سوريا.
وعلى الصعيد العقائدي، يوضح المؤلف (وهو ابن مؤسس الطائفة سلمان المرشد) أن والده أضفى على المرشدية طابعًا أخلاقيًا وروحيًا خالصًا “يبتغي نيل رحمة الله”.
وبناء على ذلك، فهي لا تقدم نفسها كنظام اجتماعي أو برنامج اقتصادي، بل يتركز اهتمامها على “طهارة السريرة” والارتقاء الروحي بعيدًا عن القوانين الإدارية، إذ تبارك كل ما يدعم تكامل الفرد ويبرز جمال الجماعة، وفي المقابل، ترفض أي سلوك يعوق كمال الفرد أو يشوّه المظهر العام للمجموع.
أما من الناحية الديموغرافية والاجتماعية، فيستعرض الكتاب جذور التأسيس بربطها بالعشيرة “الغسانية” التي استوطنت قمم جبال الساحل السوري النائية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي حصّنها من نفوذ حكم الإقطاع آنذاك.
وكانت هذه العشيرة تتألف من ثلاثة مكونات رئيسة هي: “العمامرة”، “الدراوسة”، و”المهالبة”، وتتوزع مجموعاتهم بين “جبل الحلو” وريف دمشق والمناطق المتاخمة للحدود الفلسطينية.
وقد ظلّت هذه المجموعات متفرقة إلى أن نجح سلمان المرشد في توحيدها تحت لواء عشيرة واحدة أسماها “بني غسان”.
وأطلقت المجتمعات المحيطة بهذه العشيرة عليهم تاريخيًا اسم “الغيبية”، في إشارة إلى معتقدهم الروحي القائم على الإيمان بأن الله غيب مطلق لا يمكن تمثيله أو تشبيهه بأي شيء في هذا الكون.
الجغرافيا والامتداد الديموغرافي
يتركز الثقل الديموغرافي والوجود التاريخي لأتباع الطائفة المرشدية في سوريا، الذين يُقدر عددهم بنحو نصف مليون شخص، ضمن القرى والبلدات الممتدة في سلسلة جبال الساحل السوري بين محافظتي اللاذقية وحماة.
وتبرز بلدة جوبة برغال في ريف اللاذقية، إلى جانب بلدة شطحة الواقعة في سهل الغاب بمحافظة حماة، كأبرز المعاقل الرئيسة لاستقرارهم السكاني التاريخي.
وانطلاقًا من هذه المراكز الجبلية المحدودة، اتسعت رقعة انتشار المرشدية لتمتد إلى محافظات أخرى مثل حمص وإدلب ودمشق وطرطوس، وصولًا إلى منطقة الجولان، وفقًا لما وثّقه المؤرخ عبد الله حنّا في كتابه “المرشدية في محيطها العلوي”.
الفلسفة الدينية ومكانة المرأة
تقوم الفلسفة المرشدية على توجيه الحب للإمام الذي هداهم إلى الطريق الصحيح، واعتبار الدين سلامة للسريرة وطهارتها بعيدًا عن السلطة الدينية أو الهرم الكهنوتي.
كما تحظى المرأة في العقيدة المرشدية بمكانة تقوم على المساواة التامة مع الرجل في الحقوق الدينية والاجتماعية.
وتتمتع بحرية كاملة في اختيار شريك حياتها حتى لو كان ينتمي لطائفة أخرى، وحقها في التعليم والتعرف إلى الطقوس الدينية، كتلقين الصلاة عند بلوغ سن الـ14، فضلًا عن حرية اللباس دون فرض أي زي محدد عليها.
ويجسّد عيد “الفرح بالله” حالة من الشكر والامتنان الروحي لدى المرشديين على وجودهم الإنساني.
ويعود تاريخ هذه المناسبة إلى ذكرى إطلاق الدعوة المرشدية على يد “مجيب سلمان المرشد” في 25 من آب عام 1951.


