“المركزي” يحتفل.. والأسواق تبكي!!
في وقت تسجل فيه الليرة السورية تراجعات متسارعة تلتهم ما تبقى من مدخرات وقدرة شرائية، يطل علينا المشهد الرسمي السوري بخطاب ينفصل بشكل دراماتيكي عن واقع الشارع الصاخب بالأزمات.
بينما ينشغل حاكم مصرف سورية المركزي باستعراض سعادته بالمشاركات الخارجية، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: ما نفع تلك اللقاءات رغم أهميتها إذا لم تُعد الحرارة إلى خطوط “السويفت” المشلولة، أو تكسر سياسة “حبس السيولة” التي خنقت قطاع الأعمال وأصابت مفاصل الاقتصاد بالشلل التام؟
إن السياسة النقدية المتبعة، التي اختزلت دور المصرف المركزي في تجميد السيولة كأداة وحيدة لضبط الصرف، أدت إلى نتائج عكسية، فبدل الاستقرار، حصلنا على ركود تضخمي دفع قطاعات الإنتاج ثمنه غالياً.

وفي المقلب الآخر، يواصل وزير المالية حديثه المتفائل عن مستقبل الاستثمار، متناسياً أن المستثمر ليس مغامراً يبحث عن وعود، بل هو متقصٍّ ويبحث عن استقرار في تكاليف الإنتاج التي باتت تتقلب مع كل حركة لسعر الصرف، وسط ضعف القوة الشرائية التي حوّلت الأسواق إلى ساحات للجمود والترقّب.
أما الصمت الذي يتسم به وزير الاقتصاد والصناعة، فقد تحوّل إلى فضيلة أمام عبء انفلات الأسعار في ظل سياسة “السوق الحر” التي باتت سيفاً مسلّطاً على رقاب المستهلكين، حيث استغلها بعض التجار لحصد أرباح فاحشة في غياب الرقابة والمحاسبة، ناهيك عن ما وصل إليه القطاع الصناعي الوطني نتيجة الاعتماد المفرط على الاستيراد وتدفق المهربات التي تنافس المنتج الوطني في عقر داره والذي تسبب بتوقف الكثير من المنشآت والمعامل. ليأتي رفع تعرفة الكهرباء بشكل “غير معقول” لتكون الرصاصة التي أطلقت على ما تبقى من إمكانات المواطن والصناعي معاً.
إن الخروج من هذا النفق يتطلب جراحة اقتصادية لا مسكّنات إعلامية، وتتمثل في تحرير السيولة المشروط، فمن الضروري تخلّي المركزي عن سياسة حبس السيولة والبدء بتمويل المشروعات الإنتاجية (الصناعية والزراعية والمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر…)، لضمان زيادة العرض السلعي الذي يعتبر الكابح الحقيقي للتضخم، وتأمين الحماية للصناعة الوطنية عبر فرض قيود صارمة على المستوردات وفرض ضرائب حمائية على المنتجات التي لها بديل محلي، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية للحد من المهرّبات التي تدمّر ما تبقى من معاملنا، وأن يتم إعادة هيكلة الدعم الطاقي للإنتاج، فلا يمكن مطالبة الصناعي بالاستمرار وهو يدفع فاتورة كهرباء تفوق طاقة احتماله، يجب تخصيص تسعيرة طاقية مدعومة للمنشآت الإنتاجية لخفض كلفة المنتج النهائي.
مع ضرورة تفعيل الدور الرقابي بالانتقال من الرقابة التموينية التقليدية إلى الرقابة على “هوامش الربح”، من المنبع (المستورد والمنتج) لضمان عدم استغلال سياسة السوق الحر.
والأهم هو دعم المواطن وتحسين قدرته الشرائية والتي من دونها لن ينفع أي إجراء.
إن الاختبار الحقيقي اليوم ليس في عدد الاتفاقات الموقّعة أو المشاركات الخارجية، بل في قدرة الفريق الاقتصادي على إعادة “النبض” إلى الأسواق والكرامة إلى القوة الشرائية للمواطن، قبل أن يتحول الجمود الحالي إلى انهيار يصعب ترميمه.





