الموظف الذي يحرس المؤسسة بصمت
الموظف الذي يحرس المؤسسة بصمت
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في كل مؤسسة يوجد نوعان من الموظفين؛ من يملأ المكان حضوراً وضجيجاً، ومن يعمل بصمت حتى تبدو الأمور وكأنها تسير وحدها. الأول يُرى كثيراً، والثاني يُعرف أثره أكثر مما يُرى. وحين تختل معايير التقييم، يتحول صاحب الضجيج إلى نجم، بينما يُحمَّل الموظف المتقن فوق طاقته لأنه “الأكثر اعتماداً”.
الموظف المتقن لا يكتفي بأداء مهامه، بل يعمل بدافع المسؤولية والانتماء. لا يحتاج إلى رقابة مستمرة أو إشادة دائمة، لأنه يرى المؤسسة امتداداً لسمعته المهنية، ويتعامل مع الخطأ باعتباره مشكلة يجب حلها لا فرصة لإلقاء اللوم.
يمكن تمييز هذا الموظف بعدة صفات أساسية؛ فهو يتحمل المسؤولية، يتوقع المشكلات قبل وقوعها، ويحترم الوقت والمعايير المهنية. كما لا يكتفي بعرض المشكلات، بل يسعى إلى اقتراح حلول عملية، ويملك معرفة تراكمية تحفظ استقرار العمل وتمنع التعثر المفاجئ.
ومن أبرز صفاته أيضاً النزاهة المهنية؛ فلا يجمّل الأرقام ولا يصنع إنجازات وهمية، وينسب النجاح للفريق ويتحمل المسؤولية عند الخطأ. لكن على نحو متناقض قد يصبح وجوده مزعجاً في بيئات تعتمد على المظاهر والانطباعات، لأنه يكشف الفرق بين الإنجاز الحقيقي والضجيج الإداري.
المشكلة أن بعض المؤسسات تقيس الكفاءة بالحضور والكلام والعلاقات والمظاهر ، لا بالأثر الفعلي. فيترقى من يجيد التبرير، بينما يتراجع من يجيد الإنجاز، فتبدأ المؤسسة بالتراجع تدريجياً دون أن تدرك السبب.
وقد أثبتت تجارب عديدة أن تهميش أصحاب الخبرة الفنية لصالح الولاءات أو المظاهر يؤدي إلى ضعف الأداء وارتفاع الأخطاء. في المقابل، تعتمد مؤسسات ناجحة، مثل بعض الشركات اليابانية والألمانية، على احترام الخبرة، وتقييم الموظف وفق الدقة والنتائج وحل المشكلات، لا وفق قدرته على تسويق نفسه.
حتى في شركات التقنية الكبرى، ظهر أثر الموظفين الصامتين بعد مغادرتهم؛ إذ بدأت الأنظمة تتعطل وتعقدت المشكلات التي كانوا يحلونها بهدوء، لتكتشف الإدارات متأخرة أن خسارة الموظف المتقن تعني خسارة خبرة وذاكرة مؤسسية.
أخطر ما قد تفعله الإدارة هو مكافأة الكلام ومعاقبة الإتقان. حين يشعر الموظف المجتهد أن جهده لا يُقدّر، يبدأ الحماس بالتراجع تدريجياً حتى يصل إلى الانسحاب أو المغادرة، تاركاً فراغاً يصعب تعويضه.
الإدارة الواعية تدرك أن الموظف المتقن يحتاج إلى عدالة مهنية بقدر حاجته إلى الراتب؛ عبر تقييم موضوعي قائم على النتائج، وربط الترقيات بالأثر الحقيقي، والاستماع للتغذية الراجعة، وحماية المجتهدين من الاستنزاف الناتج عن تحميلهم كل المهام لأنهم “الأقدر”.
والخلاصة أن المؤسسات لا تنهار فجأة، بل حين تخسر أصحاب الإتقان واحداً تلو الآخر. الموظف الحقيقي ليس الأعلى صوتاً، بل من يجعل العمل يمضي بثقة ويحمل الضمير المهني قبل المسمى الوظيفي. فنجاح المؤسسات لا يُقاس بمن يتحدثون عن الإنجاز، بل بقدرتها على حماية من يصنعونه بصمت.
هذا المحتوى الموظف الذي يحرس المؤسسة بصمت ظهر أولاً في سواليف.





