المنتديات الأفريقية ودورها في تعزيز الحوار والتنمية.. منتدى داكار نموذجاً
تأتي الدورة العاشرة من منتدى داكار الدولي للسلم والأمنالدورة العاشرة من منتدى داكار الدولي للسلم والأمن في أفريقيا في لحظة تعكس عمق التحولات التي تشهدها القارة الأفريقية، حيث تتقاطع الأزمات الأمنية مع التحديات الاقتصادية والبيئية، في سياق يعيد طرح أسئلة الاستقرار والسيادة من جديد. ولم يعد من الممكن النظر إلى هذه النسخة باعتبارها مجرد اجتماع سنوي، بل بوصفها مؤشراً على تطور في طريقة تفكير القارة بأزماتها؛ إذ لم يعد النقاش يقتصر على توصيف المشكلات، بل يتجه نحو إعادة تعريف أدوات التعامل معها.
ويكتسب المنتدى هذا العام زخماً إضافياً مع مشاركة نحو 54 دولة، ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام الدولي والإقليمي بالقضايا الأفريقية، ويؤكد في الوقت ذاته أن التحديات المطروحة لم تعد محلية أو معزولة، بل ذات أبعاد عابرة للحدود.
ينعقد المنتدى في ظرف دولي وإقليمي بالغ الحساسية، حيث تتصاعد التهديدات الأمنية وتتسع رقعة الصراعات المسلحة، بالتوازي مع تنامي ظاهرة الإرهاب، خصوصاً في مناطق الساحل الأفريقي. وفي المقابل، تتزايد وتيرة الانقلابات العسكرية في عدد من الدول، بما يعكس أزمة أعمق تتصل ببنية الدولة، وضعف المؤسسات، وغياب الاستقرار السياسي.
ولا يمكن فصل هذه التحديات عن الأوضاع الاقتصادية الهشة التي تعيشها العديد من الدول الأفريقية، حيث تسهم البطالة والفقر وضعف التنمية في إنتاج بيئات حاضنة لعدم الاستقرار. وفي الوقت ذاته، يبرز التنافس الدولي على القارة كعامل مؤثر إضافي، في ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، وهو تنافس يحمل فرصاً اقتصادية محتملة، لكنه قد يتحول إلى مصدر استقطاب سياسي إذا لم يُدار بوعي استراتيجي.
وفي سياق متصل، يفرض التغير المناخي نفسه كأحد أبرز التحديات غير التقليدية، حيث يؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي وموارد المياه، ويزيد من حدة النزاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية، ما يجعل الربط بين الأمن والتنمية والبيئة ضرورة لا يمكن تجاهلها.
يحمل المنتدى هذا العام عنوان «تحديات الاستقرار والسيادة والتكامل في أفريقيا»، وهو عنوان يعكس انتقالاً واضحاً من توصيف الأزمات إلى محاولة بناء مقاربات أكثر شمولاً. كما أن تنوع محاوره — من التطرف العنيف إلى التكامل الإقليمي، وصولاً إلى السيادة الرقمية والتكنولوجية — يعكس إدراكاً متزايداً بأن مفهوم الأمن لم يعد تقليدياً، بل بات مرتبطاً ببنية الدولة والتنمية والتحول التكنولوجي.
ومع ذلك، يظل السؤال المركزي قائماً: إلى أي مدى تستطيع هذه المنتديات الانتقال من فضاءات للنقاش إلى أدوات للتنفيذ الفعلي؟
أولاً: من إنتاج الوعي إلى عجز التنفيذ
تكمن القيمة الحقيقية لهذه المنتديات في قدرتها على إنتاج وعي جماعي بطبيعة التهديدات، غير أنها تصطدم بواقع مختلف عند مستوى التنفيذ. فالقارة لا تعاني من نقص في التشخيص، بل من فجوة بنيوية بين المعرفة وصنع القرار، حيث تبقى التوصيات رهينة الإرادة السياسية لكل دولة على حدة.
ثانياً: الدولة الأفريقية بين الضغط الداخلي والخارجي
تتجلى الأزمة الأفريقية بوصفها نتاج تفاعل معقد بين ضعف داخلي يتمثل في هشاشة المؤسسات وتراجع الحوكمة، وضغط خارجي ناتج عن التنافس الدولي. هذا التداخل يجعل من الصعب تفكيك أسباب الأزمات، ويُضعف قدرة الحلول الجزئية على إنتاج استقرار مستدام.
ثالثاً: التنافس الدولي وإعادة تشكيل الخيارات
لا يقتصر حضور القوى الكبرى على الشراكات التنموية، بل يعكس إعادة توزيع للنفوذ داخل القارة. وهنا تبرز معضلة جوهرية: هل تستطيع الدول الأفريقية توظيف هذا التنافس لصالحها، أم ستظل في موقع المتلقي لإملاءات السياسات الخارجية؟
رابعاً: المناخ كعامل يعيد إنتاج الأزمات
لم يعد التغير المناخي ملفاً بيئياً منفصلاً، بل تحول إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيل الخريطة الأمنية والاجتماعية. فندرة الموارد وتغير أنماط الحياة، خاصة في المناطق الريفية، يرفعان من احتمالات النزاع، ما يجعل المناخ جزءاً لا يتجزأ من معادلة الاستقرار.
خامساً: السيادة والتكامل… معادلة غير محسومة
رغم تصاعد الخطاب حول السيادة والتكامل، فإن التوتر بينهما لا يزال قائماً. فالتكامل الإقليمي يتطلب قدراً من التنازل السيادي، في حين تتمسك الدول باستقلال قرارها الوطني، ما يجعل مشروع بناء فضاء أفريقي مشترك عملية معقدة تتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة.
سادساً: إكراهات بنيوية تعيق الاستقرار وصناعة الدور
إلى جانب ما سبق، تبرز جملة من الإكراهات التي تعيق قدرة القارة على تحقيق الاستقرار وبناء دور فاعل. وفي مقدمتها ظاهرة الانقلابات العسكرية التي تعكس خللاً في بنية الدولة وأزمة في شرعية الحكم، ما يجعل مسارات الاستقرار عرضة للانتكاس.
كما يظل سؤال استثمار الموارد مطروحاً بإلحاح، في ظل ما تزخر به القارة من ثروات، مقابل استمرار أنماط من التبعية الاقتصادية والتاريخية للقوى الخارجية، بما في ذلك تنامي أشكال متعددة من النفوذ الدولي والإقليمي داخل القارة في إطار تنافس معقد على المصالح ومناطق التأثير.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز مسار الديمقراطية وتداول السلطة داخل القارة الأفريقية، باعتباره أحد المداخل الأساسية لتلبية تطلعات الشعوب نحو الوعي السياسي والتنمية والعدالة الاجتماعية، والمساهمة في كسر حلقة الفقر والهشاشة الاقتصادية. فبناء أنظمة حكم تقوم على الشرعية والمساءلة والشفافية لا يقتصر على البعد السياسي فقط، بل يمتد ليشكل رافعة أساسية للتنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة. وكلما تعززت هذه المسارات، كلما تراجعت مظاهر الاحتقان الداخلي، وانخفضت فرص الانزلاق نحو الاضطرابات، وتقلصت أيضاً قابلية البيئة الداخلية للتأثر بالتدخلات الخارجية التي تستثمر في هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها.
وفي السياق ذاته، يبرز تحدي القدرة على بلورة موقف أفريقي موحد يعزز من الوزن السياسي والاقتصادي للقارة، ويمكّنها من التحول إلى فاعل مؤثر في النظام الدولي.
وتتأكد هنا أهمية تفعيل الأطر الإقليمية كأدوات عملية للتكامل، مثل اتحاد المغرب العربي، وتجمع دول الساحل والصحراء، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بما يعزز التعاون الاقتصادي والأمني، ويرسخ مبدأ حسن الجوار، ويسهم في الحد من النزاعات البينية.
خلاصة تحليلية
تكشف هذه النسخة من المنتدى عن مفارقة واضحة: تطور في مستوى الوعي بطبيعة الأزمات، يقابله بطء في تحويل هذا الوعي إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وعليه، فإن أهمية المنتدى لا تكمن في خطاباته أو توصياته، بل في كونه مرآة تعكس طبيعة اللحظة الأفريقية الراهنة: إدراك متقدم للأزمة، مقابل محدودية في أدوات الفعل.
غير أن السؤال الأعمق يظل مفتوحاً: هل تستطيع القارة الأفريقية، بعد أن أسست أطرها المؤسسية مثل الاتحاد الأفريقي، أن تتغلب على صعوباتها البنيوية، وفي مقدمتها ضغوط وأطماع القوى الكبرى، وأن تفرض نفسها كفاعل مؤثر في النظام الدولي؟ وهل يمكن لها أن تحجز موقعاً متقدماً ضمن التكتلات العالمية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم؟
ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة الدول الأفريقية على سد الفجوة بين النقاش والقرار، لأن مستقبل القارة لن يُصاغ داخل قاعات المؤتمرات، بل يُبنى في ميادين الفعل، حيث تتحول الأفكار إلى سياسات، والتوصيات إلى واقع، وهناك فقط تُختبر الإرادة وتُقاس القدرة على تحويل الوعي إلى قوةٍ مؤثرة على الأرض.
The post المنتديات الأفريقية ودورها في تعزيز الحوار والتنمية.. منتدى داكار نموذجاً appeared first on أنباء إكسبريس.




