حين تحدث الراحل عبد الرحمن اليوسفي عن «المنهجية الديمقراطية»، لم يكن يدافع فقط عن موقع حزب أو عن أحقية سياسية مرتبطة بنتائج انتخابات بعينها، بقدر ما كان يطرح سؤالاً سيظل حاضراً في التجربة السياسية المغربية: كيف نجعل لاختيار المواطن معنى، وكيف نحافظ على ثقته في السياسة وفي قدرتها على التأثير في مسار حياته ومستقبل بلاده؟
لقد تغير المغرب كثيراً منذ تلك المرحلة، وتغير المجتمع وتبدلت انتظاراته، لكن جوهر السؤال لم يتغير. بل ربما أصبح اليوم أكثر إلحاحاً، لأننا لم نعد أمام إشكالية احترام الاختيار الديمقراطي فقط، وإنما أمام تحدٍّ أكبر يتعلق بقدرة الفاعل السياسي نفسه على استعادة ثقة المجتمع، وخصوصاً ثقة جيل جديد ينظر إلى السياسة بعين مختلفة.
لقد قطع المغرب خلال العقود الأخيرة أشواطاً مهمة في بناء المؤسسات وتطوير البنيات التحتية وتوسيع الحماية الاجتماعية وجذب الاستثمار وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي. وهذه مكتسبات لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها. لكن قوة الدول لا تقاس فقط بما تنجزه من طرق وموانئ ومشاريع كبرى، وإنما أيضاً بقدرتها على جعل مواطنيها يشعرون بأنهم جزء من قصة النجاح، وأن لكل واحد منهم مكاناً وفرصة داخل المشروع الوطني. وهنا تحديداً يظهر أحد أكبر تحديات المرحلة المقبلة: الهوة المتزايدة بين جزء من الشباب وبين الفعل السياسي، وبين سرعة التحولات التي يعرفها المغرب وبين قدرة السياسة على تحويل هذه التحولات إلى أمل ملموس في الحياة اليومية.
هذه الهوة لا يمكن اختزالها في ضعف التواصل، ولا في القول إن الشباب لم يعد يهتم بالشأن العام. ربما العكس هو الصحيح. الشباب اليوم أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر قدرة على المقارنة، وأشد حساسية تجاه التفاوتات والامتيازات وعدم تكافؤ الفرص. يرى كيف يعيش الآخرون، ويتابع تجارب النجاح في كل مكان، ويقارن بين ما يسمعه من خطابات وما يلمسه في واقعه. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه ليس فقط: ماذا أنجز المغرب؟ بل أيضاً: ما نصيبي أنا من هذا التقدم؟ أين مكاني في هذا التحول؟ وهل أملك، بغض النظر عن أصلي الاجتماعي أو الجغرافي وعن شبكة علاقاتي، فرصة حقيقية لكي أتعلم وأعمل وأبادر وأتقدم؟
وهنا تبدأ مسؤولية الفاعل السياسي. فعندما يترسخ لدى الناس الانطباع بأن السياسة تدار لحساب نخبة محدودة، أو أن بعض الفاعلين السياسيين أصبحوا أكثر انشغالاً بحماية المواقع والمصالح من الدفاع عن المصلحة العامة، يتغير سلوك المواطن تجاه المجال العام. فالمجتمعات لا تطلب من أفرادها التضحية والانخراط بمجرد رفع الشعارات؛ التضحية تحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى العدالة. وعندما يشعر الفرد بأن قواعد اللعبة ليست واحدة بالنسبة للجميع، يصبح من الطبيعي أن ينتقل تدريجياً من سؤال «ماذا يمكنني أن أقدم لوطني؟» إلى سؤال «كيف أحمي مصلحتي ومستقبلي؟». وعندما ينتشر هذا المنطق، لا نخسر فقط الثقة في السياسة، بل نخسر شيئاً أعمق: القدرة على بناء أمل جماعي.
لهذا أعتقد أن المعركة السياسية الحقيقية في مغرب السنوات المقبلة ستكون معركة الأمل والكرامة. الأمل بمعناه الملموس، أي أن يشعر الشاب بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا، وأن الاجتهاد ما زال طريقاً ممكناً للارتقاء. والكرامة بمعناها العميق، أي أن يشعر المواطن بأن قيمته لا تتحدد باسم عائلته أو علاقاته أو موقعه الاجتماعي، وإنما بما يملكه من كفاءة وعمل واستحقاق. فالكرامة ليست فقط حماية اجتماعية أو دخلاً أو خدمة عمومية، على أهميتها جميعاً؛ الكرامة أيضاً أن تقف أمام باب الفرصة وأنت تعرف أنك لن تحتاج إلا إلى كفاءتك لكي تنافس عليها.
من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو مغرب الاستحقاق. المغرب الذي لا يسأل أبناءه من تعرفون، بل ماذا تعرفون وماذا تستطيعون أن تقدموا. مغرب لا يلغي الفوارق الطبيعية في النتائج، ولكنه يرفض أن تكون نقطة الانطلاق محددة سلفاً بحسب الأصل الاجتماعي أو المجال الترابي أو شبكة العلاقات. فنحن لا نستطيع أن نعد جميع المغاربة بالنتيجة نفسها، لكننا نستطيع، ويجب علينا، أن نضمن لهم الحق نفسه في المحاولة. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نعطيه اليوم لمفهوم الحق في الفرصة.
إن العدالة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بإعادة توزيع الدخل والثروة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بعدالة توزيع الفرص: فرصة التعليم الجيد، وفرصة الشغل، وفرصة الاستثمار، وفرصة الولوج إلى المسؤولية، وفرصة أن يفشل الإنسان ثم يبدأ من جديد. حين يشعر الشاب بأن الطريق مفتوح أمامه، يصبح النجاح الفردي جزءاً من النجاح الوطني. أما حين يعتقد أن الأبواب موزعة مسبقاً، فإن أول ما يبحث عنه ليس كيف يساهم في تطوير المجتمع، بل كيف يجد لنفسه منفذاً خارج قواعده.
ومغرب الاستحقاق لا يمكن أن يقوم دون مغرب الشفافية. فالشفافية ليست شعاراً أخلاقياً ولا مجرد أداة لمحاربة الفساد، بل هي شرط لبناء الثقة. المواطن يحتاج إلى أن يعرف كيف تُتخذ القرارات، وكيف توزع الفرص، ولماذا استفاد هذا المشروع ولم يستفد الآخر، ولماذا اختير هذا المسؤول دون غيره. كلما كانت القواعد واضحة، تقلصت مساحة الشك والإشاعة والإحساس بالحيف. وكلما كانت المعلومة متاحة، أصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين النجاح والفشل، وبين المسؤولية والادعاء، وبين السياسة التي تنتج النتائج والسياسة التي تنتج الخطابات.
ولا معنى للشفافية إذا لم تقترن بمبدأ آخر أقره دستور 2011 بوضوح، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حان الوقت لكي يصبح هذا المبدأ ثقافة سياسية وليس مجرد مقتضى دستوري. من يتولى المسؤولية يجب أن يقبل بأن يُسأل عن حصيلته، ومن يقدم وعداً يجب أن يقبل بأن يُقاس بما أنجز منه، ومن يفشل ينبغي أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بذلك وتحمل نتائجه. لا يمكن أن نبني الثقة عندما تصبح المسؤولية امتيازاً بينما تظل المحاسبة احتمالاً بعيداً. السياسة التي نحتاجها في أفق 2030 هي سياسة تقول للمواطن بوضوح: هذه التزاماتنا، وهذه آجالها، وهذه مؤشرات قياسها، وحاسبونا عليها.
وهنا يمكن أن نستعيد مفهوم «المنهجية الديمقراطية» ونمنحه امتداداً يتناسب مع أسئلة مغرب اليوم. بالأمس كان السؤال الذي طرحه اليوسفي مرتبطاً أساساً باحترام الإرادة التي تعبر عنها صناديق الاقتراع. واليوم يجب أن نضيف إليه أسئلة أخرى: هل نحترم المواطن بين انتخابين؟ هل نضمن له الحق في الفرصة؟ هل نجعل الكفاءة والاستحقاق طريقاً للارتقاء؟ هل يعرف من المسؤول عن القرار حتى يستطيع محاسبته؟ وهل يشعر بأن السياسة تخدم المصلحة العامة قبل أن تخدم مصالح الفاعلين فيها؟
هذه في تقديري هي المنهجية الديمقراطية الجديدة التي يحتاجها المغرب: ديمقراطية لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، بل تبدأ منه؛ ديمقراطية تجعل من الانتخابات عقداً للمحاسبة وليس موعداً موسمياً للوعود، وتجعل من المسؤولية التزاماً أمام المواطن وليس امتيازاً لصاحبها.
ليس المطلوب إضافة خطاب شبابي جديد إلى الخطابات الموجودة، ولا التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية يجب استمالتها. الرهان الحقيقي هو إعادة السياسة إلى المستقبل، وإعادة جيل كامل إلى السياسة باعتباره شريكاً في صناعة ذلك المستقبل. جيل لا يطلب امتيازاً، بل يطالب بالحق في الفرصة؛ لا يريد حماية خاصة، بل قواعد عادلة؛ لا ينتظر من السياسة أن تضمن له النجاح، بل أن تضمن له ألا يكون النجاح محجوزاً مسبقاً لغيره.
إن المغرب مقبل على استحقاقات وتحولات كبرى، وما تحقق إلى اليوم يمنحنا أسباباً حقيقية للثقة، لكنه يضع علينا أيضاً مسؤولية أكبر. لأن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بسرعة القطارات أو عدد الملاعب والمشاريع الكبرى، بل سيقاس أيضاً بقدرتنا على جعل شاب في قرية أو حي هامشي أو مدينة صغيرة يؤمن بأن له مكاناً في مغرب 2030، وأن مستقبله لا يوجد بالضرورة في مكان آخر، وأن وطنه قادر على أن يمنحه فرصة عادلة ليصنع مصيره بكرامة.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تجربة سياسية ليس أن ينتقدها الشباب، فالانتقاد دليل على أن السياسة ما زالت تعني لهم شيئاً. الخطر الحقيقي يبدأ يوم لا ينتظرون منها شيئاً، ويصبح الانسحاب أو اللامبالاة أو البحث الفردي عن الخلاص هو الخيار الأكثر عقلانية في نظرهم. لذلك فإن معركة الثقة ليست معركة تواصل، بل معركة سياسات وممارسات وقواعد جديدة.
إنها معركة الانتقال من منطق الامتياز إلى مغرب الاستحقاق، ومن الغموض إلى مغرب الشفافية، ومن المسؤولية دون تبعات إلى مغرب ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن انتظار الفرصة إلى ضمان الحق في الفرصة. وفوق كل ذلك، هي معركة إعادة الأمل والكرامة إلى قلب العمل السياسي.
ربما يكون هذا هو الامتداد الأكثر وفاءً اليوم لدرس عبد الرحمن اليوسفي: أن تكون لإرادة المواطن قيمة، ولصوته أثر، وللكفاءة مكان، وللمسؤولية ثمن. لأن الديمقراطية ليست فقط أن يعرف المواطن من يحكمه، بل أن يقتنع بأن المؤسسات السياسية تعمل من أجله أيضاً، وأن يشعر بأن نجاح وطنه يمكن أن يكون نجاحه هو كذلك.
مغرب 2030 الذي نطمح إليه يجب ألا يكون مغرب الامتياز، بل مغرب الاستحقاق؛ وألا يكون مغرب الوعود، بل مغرب النتائج؛ وألا يكون مغرب الفرص المغلقة، بل مغرب الحق في الفرصة. مغرب يصنع الأمل ويحفظ الكرامة، لأن الوطن الذي يمنح أبناءه الأمل هو الوطن الذي يكون أبناؤه مستعدين لبذل الكثير من أجله.
لكن علينا أن ندرك أن نافذة التغيير لن تبقى مفتوحة إلى الأبد؛ فالثقة ليست رصيداً دائماً، والأمل ليس مورداً لا ينضب. وكل فرصة نضيعها اليوم لإصلاح السياسة، وتوسيع دائرة الاستحقاق، وفتح أبواب الفرص أمام جيل جديد، ليست مجرد موعد يمكن تأجيله إلى الغد، بل رقعة من الأمل قد نفقدها إلى الأبد. فالخطر الحقيقي ليس أن ينتقد الشباب السياسة، بل أن يتوقفوا عن انتظار أي شيء منها. لذلك فإن معركة استعادة الثقة هي أيضاً معركة مع الزمن، ومسؤوليتنا اليوم أن نجعل للشباب سبباً حقيقياً للإيمان بأن لهم مكاناً وفرصة ومستقبلاً في وطنهم.
ظهرت المقالة المنهجية الديمقراطية الجديدة… من شرعية الاختيار إلى الحق في الفرصة أولاً على مدار21.




