الملكية العقارية وطريقة عمل صاجية خلف .
بقلم احمد عبدالفتاح الكايد ابو هزيم ،
الصاجية أكلة تراثية لها مكانة معتبرة في الذاكرة الشعبية الأردنية ، توارثناها عن الآباء والأجداد، بدأ الجيل الجديد من الشباب إعدادها وخصوصاً أثناء الرحلات في الهواء الطلق، وهناك من يعتمدها بديلاً عن المنسف في المناسبات وخصوصاً مع لحم ” القعود ” من أهم ميزات “الصاجية” سرعة التحضير وتوافر مكوناتها التي تعتمد بالأساس على ” اللحم من مختلف الأصناف ” مع زيت الزيتون والثوم البلدي والقليل من البندورة أحياناً، وقد يُضاف لها مكونات أُخرى بحسب الرغبة ، تصلح ” الصاجية “لكل المناسبات، ويتناولها الكبير والصغير، ولولا ارتفاع أسعار اللحم المستورد الباهظ والذي يعزيه البعض للرسوم المفروضة عليه من قبل الحكومة وما يتبعها من إجراءات تحد من الاستيراد، لكانت الصاجية مع شقيقها الأكبر “المنسف” وشقيقتها “المقلوبة” … سيدة موائد الأردنيين في جميع الوجبات ، وفي نظر البعض على الرغم من ارتفاع تكاليفها تبقى الصاجية من الأكلات التي تحظى بشعبية لا بأس بها ، ومن المؤكد أنها تتفوق على شعبية العديد من الحكومات التي مارست أعلى درجات “التذاكي”!!! على مواطنيها من أجل تسويق قراراتها وقوانينها للتغول على حقوقهم التي كفلها الدستور مثل المساواة، الحرية الشخصية، حرية الاجتماع وتأليف الجمعيات، حق العمل، حق التعليم والرعايةالصحية …
الكثير من الناس من مختلف الأعمار و “الجندر” تتقن فن “صناعة” الصاجية، إلا “خلف بعد التجربة” ، “خلف” اسم مستعار لصديق اصر مع سبق الإصرار والترصد في شهر رمضان الفائت على دعوتنا على الفطور ، قبلنا الدعوة ” شاكرين” بعدما أفصح “خلف” عن نواياه “الطيبة” بعمل صاجية على الحطب بنفسه وبدون مساعدة صديق ، معتمداً على قدراته الخارقة في الترويج لأفكاره الخلاقة وطريقة عمل “الصاجيات”، لدرجة خُيل لنا في بعض اللحظات بأن “خلف”على غرار موضة “المبادرات هاي الأيام” ينوي إنشاء مبادرة ” ترويج سياحي تحت عنوان “صاجية خلف” مستفيداً من دعم جهات داخلية وخارجية، وربما يسعى على طريقة بعض “العربان” في إشهار “فن الطبخ والطبيخ” إدخال “الصاجية ” موسوعة غينيس للإنجازات الفردية ، “أكبر حبة فلافل ليست بأفضل من صاجية خلف “.
وبما أن “خلف” من أصحاب المبادرات ” هيزعيات التطبيل والتسحيج ” التي تلقى رواج لها وسط شريحة لا بأس بها من الطبقة الفقيرة من المجتمع ، يرغب بإضفاء لمسات من الفرح والبهجة ” الدحية” احتفاءً بإنجاز الصاجية، بادر “المبادر خلف” إلى تحديد مكان الدعوة في منطقة حرجية من مناطقنا الأردنية الجميلة تحت شجرة بلوط ، مستخدماً ” صاج تراثي قديم ورثه عن رحمة والده ، وكان هذا الوعاء يتواجد في كل بيت أردني ويستخدم لأغراض كثيرة في مجالات الطبخ والخبز على النار ، وهو رفيق سفر للحراثبن والرعيان أيام زمان .
شرطنا الوحيد على صديقنا خلف في قبول الدعوة أن تكون الصاجية محور “الحدث” فقط بدون توابع أُخرى حتى نمارس عملنا في “الغماس” الذي افتقدناه منذ زمن طويل ، وحتى نخرج عن النمط التقليدي السائد في “عزائم ” رمضان الشعبية والرسمية التي تعتمد على المنسف سيد الأكلات الأردنية وصاحب الفخامة على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي .
صديقنا “خلف” يمتلك كاريزما خاصة في التسويق والترويج لأفكاره الخارجة عن المألوف، لدية “شطحات” لا يقبلها العقل ولا المنطق لكنها محببة ومقبولة لدى بعض المسؤولين لتقارب الأفكار ربما، يدعي معرفة كل شيء حتى لو كان الأمر يتعلق بكوكب “نبتون” ويدعي أيضاً معرفة بواطن الأمور كونه ” واصل” وقريب من نبض “الشارع والمسؤول”، وعندما يعترض عليه أحد الحضور بخصوص آراؤه وأفكاره يجيب قولاً واحداً وبلغة الواثق من نفسه هذا هو المطلوب “هالأيام” ، حالة خلف المادية “ميسور” له مكانة اجتماعية لا بأس بها وبحسب تصنيف “أعراف هالأيام” أعلى من وجيه وأقل من شيخ ، تحضيراته “اللوجستية” جارية لدخول نادي “نيومستشيخين ” ، وعلى رأي “خلف” لا يحتاج لقب شيخ عند البعض إلى شهادة علمية أو أدنى مستوى من الثقافة فقط ” فاضي أشغال ” ، وأن يبادر “وخلف صاحب مبادرات” بتنصيب نفسه شيخ، ومع مرور الوقت يُصبح أمر واقع تتعامل معه الفعاليات الشعبية والرسمية .
في اليوم الموعود كنا في شوق لتناول فطور رمضاني على طريقة “خلف”، وخصوصاً أن صديقنا مُغرم بنشر كل إنجازاته “الوهمية” و”الدونكيشوتية ” على صفحته الخاصة على الفيس بوك، وعلى بعض المواقع والصفحات “المأجورة الخارجة عن القانون ” ، والتي تعتمد على ” العلف ” في استمرار وجودها ونشر أخبارها المزيفة ، ولأن “خلف” يدرك أهمية صناعة الصورة بعيداً عن المضمون ، ولدية رغبة جامحة في تقليد بعض مشاهير السوشال ميديا المصابين بمرض “التفاهة” في جمع اكبر عدد من “اللايكات ” بغض النظر عن المحتوى، قام “خلف” بفتح “لايف” لشرح طريقة عمل ” الصاجية” على الحطب ، وما أن اقترب موعد أذان المغرب وجرياً على عادة بعض المدعوين في الحضور المتأخر ” عند الطلق ” ، توافدنا إلى المكان المرسل لنا على ” اللوكيشن ” بمساعدة ابن العم ” GPS “، وما أن سمعنا صوت الأذان إلا و”خلف” معزبنا الغانم يُقدم لنا ” زبادي شوربة” أعدها أيضا ً على الحطب بحجة أنه تأخر في إعداد “الصاجية” بسبب أن “اللايف” أخذ وقت أطول مما كان يتوقع وبسبب فضول المتابعين الذين كانوا يسألون “خلف: عن أدق تفاصيل عمل “الصاجية على طريقة خلف” ومكوناتها من أجل تحضيرها في بيوتهم ، لم نكترث كثيراً بتأخر “خلف” في إنجاز “الصاجية”، خلف طويل “بال ” زي أغلب الحكومات المتعاقبة يتحدثون عن مشاريع هامة واستراتيجية يتم إنجازها بعد عقود وبكلف تفوف الوصف والخيال، ليست بذات أهمية ما دامت هذه الكلف يتحملها المواطن في نهاية المطاف ، المهم لدينا إنجاز “صاجية خلف” التي تحلقنا حولها لوجود بعض البرودة في المكان بدأت تتسلل الى أجسادنا، ونحن نرى لهيب النار يأكل من جوانب “الصاج”، ونحن ننتظر بفارغ الصبر معانقة أول “تغميسة” من حوافه الداخلية “بلا معنى”.
بعد أول ملعقة من الشوربة صاح صديق لنا من المدعوين ما “هاي” الشوربة يا “خلف” هاي شوربة وإلا عدس منقوع ” مصبر “عليه الملح “زُعق” ، اعتذر “خلف” بطريقة أشعرتنا بأننا أمام مؤتمر صحفي يُديره الناطق الرسمي للحكومة ومعه بعض الوزراء لتبرير قرار حكومي جديد ،والنتيجة ماثلة أمامنا “شوربة خلف”، قال “خلف” بأنه استعجل على الشوربة قبل ما تستوي لحتى “نفك الصِيام ” ، قلب “خلف” حنين، خايف علينا “يقرصنا” الجوع، كعادة طيبة الشعب الأردني في إعطاء فرصة، تبنينا وجهة نظر “خلف” واقنعنا صديقنا “المعترض” بأنها متبوعة ، ونحن معزومين على “صاجية” وليس على شوربة عدس ،ويكثر خير خلف أنه فكر بالشوربة أصلاً ، “بلا من الشوربة” .
يبدو أن “الزين ما بكمل” حيث بدأت رائحة حرق ” شواط” تفوح من “الصاجية” كرائحة مشروع قانون جباية أعدته إحدى الحكومات لإرساله لمجلس النواب، أبلغنا الشيخ المنتظر “خلف” بتخوفنا بأن “الصاجية محور اهتمامنا وأملنا الوحيد في فطورنا لهذا اليوم” ربما بدأت بالاحتراق، فأجاب معزبنا “خلف” بنبرة الواثق من نفسه ومن عمله وعلى طريقة المسؤولين :- ما عليكم الأمور تحت السيطرة، “رح” تكون هاي “الصاجية” أطيب أكلة في المنطقة ” الحرجية “، وهاي الرائحة صادرة من تنشيف “دهن اللحم” وكلها خمس دقائق “بنشف الدهن وبتختفي الرائحة” ، على غرار فايروس كورونا ” اسبوعين بنشف وبموت “، وبما أن معزبنا “خلف” هو صاحب الدعوة ونحن ضيوف عنده ” الضيف أسير المعزب ” تقبلنا تطميناته ” بدون قناعة ” بأن أمور “الصاجية” تسير على ما يرام مع أن رائحة”شواط الصاجية” تزكم أُنوفنا وتتجاوز المحيط الذي نحن فيه، أخيراً أنزل “خلف” الصاجية عن النار ووجدها قد احترقت بالكامل، أَبْدَى “خلف” أسفة الشديد عن ما حصل وخصوصاً أننا صِيام ، ووضع اللوم على المنافسين من المتابعين على اللايف الذي يعتقد “خلف” جازماً بأنهم أخذوا وصفة الصاجية ، وربما تعاملوا مع كائنات من عالم آخر لإفشال تجربته ، ولكن وبما أن “الفشل أساس النجاح” قرر “خلف” وبنبرة لا تخلو من التحدي ، الاستمرار بعمل الصاجيات على الحطب، تناولنا بعض من أصناف الفواكه التي كانت حاضرة “لزوم” بعد الفطور”، تسامرنا وبعد ذلك ذهبنا إلى صلاة التراويح بعدما ودعنا معزبنا “خلف” بمثل ما استقبلنا به من حفاوة وترحيب .
قبل أيام أعلن الشيخ خلف ” أصبح شيخ وصار يحكي باسم قبيلته ويُدعى على المناسبات الرسمية والشعبية ” عن رغبته بافتتاح سلسلة مطاعم “خلف للصاجيات الشعبية” ويبحث عن مكان مناسب، اقترح عليه أحد الأصدقاء بعد اقرار مجلس النواب لبعض التعديلات على قانون الملكية العقارية، افتتاح فروع المطعم قرب كل محطة للقطار يتم استملاك أراضيها من المواطنين من قبل الحكومة بموجب التعديلات الأخيرة والخاصة بمشروع سكة الحديد ، ودعوة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الأعيان لافتتاح كل فرع .
تنويه :- كل ما ورد أعلاه من وحي الخيال ، تم توظيف هذه القصة لخدمة إيصال الفكرة من المقال وهي كيف تُصنع الأحداث “من وجهة نظر الكاتب تحتمل الخطأ والصواب ” في بعض القضايا التي تهم الوطن والمواطن .
نأخذ بالأسباب ، نتمسك بالتفاؤل، لأننا نُحب الأردن .
حمى الله الأردن وأحة أمن و استقرار، وعلى أرضه ما يستحق الحياة .
أحمد عبدالفتاح الكايد أبو هزيم
كاتب أردني .
محلل سياسي و اقتصادي .
هذا المحتوى الملكية العقارية وطريقة عمل صاجية خلف . ظهر أولاً في سواليف.



