الملك يسحب الثقة من السياسيين ويضع التنمية بيد الداخلية ويغلق باب العبث
ما جرى في المجلس الوزاري الأخير برئاسة الملك محمد السادس ليس مجرد تعديل في آليات تدبير المشاريع، بل إعلان صريح عن سقوط النموذج الحكومي الحالي، وفشل ذريع لأحزاب استهلكت الزمن السياسي في الشعارات، بينما كانت الوقائع تكشف حجم العبث والاختلال.
قرار ضخ 210 مليارات درهم ووضعها تحت إشراف وزارة الداخلية ليس تفصيلاً تقنياً، بل خطوة حاسمة تعكس قناعة راسخة بأن الحكومة، بقيادة عزيز أخنوش، لم تعد مؤهلة لتدبير أوراش كبرى، بعد أن تحولت إلى فضاء لتبادل المصالح، وتوزيع الصفقات، واستنزاف المال العام دون نتائج تذكر على أرض الواقع.
السنوات التي رفعت فيها شعارات “الدولة الاجتماعية” و”النموذج التنموي الجديد” انتهت إلى حصيلة باهتة، عنوانها مشاريع متعثرة، وفوارق مجالية متفاقمة، ووعود تبخرت أمام عجز واضح في التنزيل، فالحكومة لم تفشل فقط في الإنجاز، بل كرّست صورة سلبية عن العمل السياسي، حيث طغى منطق الغنيمة على منطق الخدمة العمومية، وأصبح تدبير الشأن العام رهين حسابات ضيقة ومصالح متشابكة.
هذا الواقع فرض عودة قوية لوزارة الداخلية كفاعل مركزي في التنفيذ، ليس اختياراً بل ضرورة، لوضع حد لحالة التسيب التي طبعت عدداً من القطاعات، نقل هذا الحجم من الموارد إلى آليات أكثر صرامة يعكس إرادة في تنظيف مسار التنمية من شوائب التلاعب، وقطع الطريق أمام شبكات الاستفادة غير المشروعة التي نمت في ظل ضعف الرقابة السياسية.
فالحكومة تحولت إلى هيكل عاجز، يكتفي بتصريف واجهة الخطاب، بينما انتُزع منه جوهر الفعل، لم تعد تملك زمام المبادرة، ولم تعد قادرة على إقناع الشارع، بعد أن فقدت المصداقية وتآكل رصيدها بفعل التناقض بين الوعود والواقع، الأداء الحكومي لم يحقق سوى مزيد من الاحتقان، ورسخ قناعة عامة بأن المال العام كان يُدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية التنمية.
توجيه المشاريع الكبرى عبر قنوات موازية أكثر صرامة هو في العمق إدانة سياسية صريحة لهذه المرحلة، وإعلان نهاية صلاحية نموذج حزبي فشل في امتحان التدبير، الدولة اختارت الحسم، بعدما استنفدت الأحزاب كل فرصها، وأثبتت أنها عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية.
وبهذا يكون المشهد اليوم واضح، حكومة بلا أثر فعلي، وأحزاب فقدت ثقة الشارع، ومؤسسات رسمية تتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إنها لحظة سقوط مدوٍّ لخطاب سياسي استهلك كل مبرراته، وترك وراءه واقعاً مثقلاً بالتأخر، وملفاً تنموياً يحتاج إلى إعادة بناء خارج منطق الحسابات الحزبية الضيقة.




