المحامي معن عبد اللطيف العواملة : توطين الابتكار.. الخيار الاستراتيجي ما بعد الحرب
ما تشهده المنطقة من اعاصير جيوسياسية وعسكرية، يحتم علينا مراجعة خياراتنا الاستراتيجية الاردنية لمرحلة ما بعد الحرب. السؤال القديم يتجدد، ما هو النموذج الاردني للتنمية والتطوير؟ وما هي هويتنا الحقيقية في عصر لا يعترف إلا بالميزة التنافسية المستدامة والمنعة الداخلية؟ إن الإجابة تكمن في تحول جذري في العقلية الادارية: الانتقال من الأردن كمصدّر للكفاءات إلى الأردن كمقر للازدهار وموطن للابتكار. لطالما، و لا زلنا نفتخر بقدرتنا على رفد الأسواق الإقليمية والعالمية بطاقات بشرية مؤهلة، وهو ما ينعكس في تحويلات مالية دورية تسند الاقتصاد. ولكن، لا بد لنا ان نكون جريئين في اقرار إن هذه المعادلة في جوهرها خاسرة. إن تصدير الكفاءات ليس مجرد استنزاف للعقول، بل هو إهدار لفرص اقتصادية بديلة أكثر استدامة. عندما يغادر المبتكر الأردني ليبني نجاحات في الخارج، فإننا نخسر المادة الخصبة لنمونا الوطني. الكلفة الاجتماعية والمادية لتعليم وتدريب هذه العقول باهظة، ومن غير المنطقي أن نحصد فقط فتات التحويلات بينما تجني الاقتصادات الاخرى القيمة المضافة الكبرى والابتكارات التي تولدها هذه الكفاءات. الابتكار ليس مجرد أجهزة حديثة او تطبيقات ذكية، إنه إعادة هندسة شاملة للسياسات والإجراءات والمنظومات التي تنظم العمل العام. في الابتكار الوطني الشامل، يصبح الهدف هو اكتشاف أنجع الطرق لتحقيق الأهداف الوطنية، ورفع جودة الحياة، وخفض النفقات من خلال رفع الأداء. إن تحويل الأردن بأكمله إلى منطقة حرة للابتكار والبحث العلمي ليس حلماً بعيد المنال، بل هو ضرورة اقتصادية. لدينا المقومات لنكون مركزاً إقليمياً للبحث والتطوير، حيث يتم تصميم السلع والخدمات المبتكرة وتسويقها للعالم من هنا. الميزة التنافسية للأردن في هذا المجال تفوق قدراته في الصناعات التقليدية، لأن ثروتنا الحقيقية هي الإنسان الماهر والمهني المصمم للقيمة المضافة. بمقدور الابتكار الوطني ابتداع حلول للمشكلات المزمنة مثل الطاقة المستدامة، تكنولوجيات المياه، التعليم، الصحة، والبطالة. ماذا لو تحول المجتمع الأردني بأكمله إلى مختبر للابتكار؟ استخدام الذكاء الجمعي لإيجاد حلول خلاقة بتكلفة تنافسية يمكن أن يحقق نتائج مبهرة. والابتكار في السياسات الاجتماعية لا يقل أهمية عن الابتكار التكنولوجي، فتطوير تطبيقات ذكية لإدارة الموارد المائية أو منصات لربط المهارات المحلية بفرص العمل وريادة الاعمال هو في صلب توطين الابتكار. تنسجم هذه الافكار مع رؤية التحديث الاقتصادي 2033 التي تم اطلاقها بتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله. تهدف الرؤية إلى خلق مليون فرصة عمل ومضاعفة الناتج المحلي الإجمالي. ولتحقيق ذلك، ركزت الرؤية على الصناعات عالية القيمة، والخدمات المستقبلية، والريادة والإبداع. إن الابتكار هو المحرك الصامت لكل هذه المحاور. وهنا نحتاج الى بيئة تشريعية مرنة تحمي الملكية الفكرية، ومنظومة تعليمية تربط المؤسسات الاكاديمية بالصناعة. ونحن ايضا بحاجة ماسة إلى ردم الفجوة بين البحث العلمي التطبيقي واحتياجات السوق، وتحويل الجامعات الى حاضنات للأفكار بدلا من مؤسسات تصدر الشهادات.





