المحامي معن عبد اللطيف العواملة : جامعة الدول العربية.. نحو تجديد ميثاق العمل
تمر المنطقة العربية بواحدة من أكثر لحظاتها التاريخية حرجاً، حيث تتعامل مع تهديدات للدول الوطنية والنسيج القومي في آن واحد. وهنا برز إلى الواجهة موضوع كفاءة «بيت العرب» كخط دفاع أول عن الأمن القومي بطريقة عملية أبعد من البروتوكولات، بل بمدى قدرة أدوات العمل المشترك على مجاراة التحولات الجيوسياسية الكبرى. تقف جامعة الدول العربية اليوم على مفترق طرق، فإما الولادة من جديد عبر إصلاح هيكلي عميق، أو المخاطرة بالخروج من السياق في مرحلة ما بعد الصراعات الحالية. تأسست الجامعة في أربعينيات القرن الماضي لدعم مرحلة التحرر الوطني ومواجهة تحدياتها، واغتنام فرصها. وخلال العقود، كانت الجامعة إلى حد كبير بيت العرب الذي استطاع أن يكون منصة حيوية للحوار والتفاوض وتحشيد الجهود. وكان الاجتياح العراقي للكويت من أهم الاختبارات التي عاشتها الجامعة، والتي استطاعت بحكمة البعض من تجاوز معظم تداعياتها. وكان لزاما على العرب تقييم التجربة حينذاك، ومراجعة آليات الجامعة ولكن الفرصة ضاعت. ونحن اليوم أمام أزمة مركبة وغير مسبوقة اختلطت فيها الأوراق، حيث تماهى العدو مع الصديق، بينما يتعرض نصف أعضاء الجامعة تقريبا الى اعتداءات واستهدافات إيرانية وإسرائيلية يومية وفي الوقت نفسه. تجسد الحديث مؤخرا عن تطوير عمل الجامعة في الأمانة العامة الذي هو مهم ولكن لا يجب أن يختزل جل التحديث. وبغض النظر عن دولة المقر أو جنسية القيادة، فإن التطوير المنشود يتطلب الانتقال من نموذج الاستقرار الرتيب إلى الحيوية الدورية. ومن الممكن تحقيق ذلك عبر عدة مسارات على رأسها أن تتمتع قيادات الجامعة بهامش استقلال استراتيجي وقدرة على التحرك كمؤسسة تتبنى حلولاً عربية للأزمات بعيداً عن الاستقطابات الحادة. ومطلوب ايضا هياكل رشيقة تتمثل في غرف عمليات لا قاعات اجتماعات. اذ لابد من عملية غربلة شاملة تنهي حقبة البيروقراطية الثقيلة، واستبدالها بوحدات وفرق عمل مرنة قادرة على إدارة الأزمات في غرف عمليات تنسيقية حقيقية. وفي صلب عملية التحديث والتطوير أن تجد النجاحات التي حققتها دول عربية في ملفات دولية معقدة طريقها إلى أروقة الجامعة، لتتحول من نجاحات وطنية إلى رصيد قومي مشترك. وهنا سيكون من المفيد التحول نحو الشراكات التنموية. ففي مستقبل ما بعد الحرب، ستتجه المنطقة نحو تفاهمات أمنية واقتصادية جديدة. لذا، يجب أن تسبق الجامعة هذا التحول بتفعيل السوق العربية المشتركة كأداة تحول سياسي واقتصادي.





